البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٦ - ذكر أمره (عليه السلام) أبا بكر الصديق رضى اللَّه عنه أن يصلى بالصحابة أجمعين مع حضورهم كلهم و خروجه (عليه السلام) فصلى وراءه مقتديا به في بعض الصلوات على ما سنذكره و اماما له و لمن بعده من الصحابة
و موسى بن عقبة و خفي ذلك على أنس بن مالك أو أنه ذكر بعض الخبر و سكت عن آخره. و هذا الّذي [ذكره] أيضا بعيد جدا لان أنسا قال: فلم يقدر عليه حتى مات. و في رواية قال: فكان ذلك آخر العهد به. و قول الصحابي مقدم على قول التابعي و اللَّه أعلم [١]]. و المقصود أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قدم أبا بكر الصديق إماما للصحابة كلهم في الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام العملية.
قال الشيخ ابو الحسن الأشعري: و تقديمه له امر معلوم بالضرورة من دين الإسلام. قال: و تقديمه له دليل على انه أعلم الصحابة و أقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء. ان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه، فان كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فان كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنا، فان كانوا في السن سواء فأقدمهم مسلما [٢] قلت و هذا من كلام الأشعري (رحمه اللَّه) مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق رضى اللَّه عنه و أرضاه و صلاة الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خلفه في بعض الصلوات كما قدمنا بذلك الروايات الصحيحة لا ينافي ما روى في الصحيح ان ابا بكر ائتم به (عليه السلام) لان ذلك في صلاة اخرى كما نص على ذلك الشافعيّ و غيره من الأئمة (رحمهم اللَّه) عز و جل.
فائدة: استدل مالك و الشافعيّ و جماعة من العلماء و منهم البخاري بصلاته (عليه السلام) قاعدا و أبو بكر مقتديا به قائما و الناس بأبي بكر على نسخ قوله (عليه السلام) في الحديث المتفق عليه حين صلى ببعض أصحابه قاعدا. و قد وقع عن فرس فجحش شقه فصلوا وراءه قياما فأشار اليهم أن اجلسوا فلما انصرف. قال: كذلك و الّذي نفسي بيده تفعلون كفعل فارس و الروم يقومون على عظمائهم و هم جلوس. و قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا و إذا ركع فاركعوا و إذا رفع فارفعوا و إذا سجد فاسجدوا و إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون. قالوا ثم إنه (عليه السلام) أمهم قاعدا و هم قيام في مرض الموت فدل على نسخ ما تقدم و اللَّه أعلم. و قد تنوعت مسالك الناس في الجواب عن هذا الاستدلال على وجوه كثيرة موضع ذكرها كتاب الأحكام الكبير إن شاء اللَّه و به الثقة و عليه التكلان. و ملخص ذلك أن من الناس من زعم أن الصحابة جلسوا لأمره المتقدم و إنما استمر أبو بكر قائما لأجل التبليغ عنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). و من الناس من قال: بل كان أبو بكر هو الامام في نفس الأمر كما صرح به بعض الرواة كما تقدم. و كان أبو بكر لشدة أدبه مع الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يبادره بل يقتدى به فكأنه (عليه السلام) صار إمام الامام فلهذا لم يجلسوا لاقتدائهم بأبي بكر و هو قائم و لم يجلس الصديق لأجل انه امام و لأنه يبلغهم عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الحركات و السكنات و الانتقالات و اللَّه أعلم. و من الناس من قال: فرق بين أن يبتدأ الصلاة خلف الامام في حال القيام فيستمر فيها قائما
[١] ما بين المربعين سقط من التيمورية.
[٢] المحفوظ من كتب الفقه فأقدمهم إسلاما.