البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٢ - فصل
بما ذكرناه من الأحاديث الواردة في ذلك و لم يكن بين حجة الوداع و بين وفاة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلا أحد و ثمانون يوما و قد شهد الحجة ما ينيف عن أربعين ألف صحابى قولا منه و فعلا فلو كان قد نهى عن القران في الحج الّذي شهده منه الناس لم ينفرد به واحد من الصحابة و يرده عليه جماعة منهم ممن سمع منه و لم يسمع فهذا كله مما يدل على أن هذا هكذا ليس محفوظا عن معاوية رضى اللَّه عنه و اللَّه أعلم.
و قال أبو داود ثنا احمد بن صالح ثنا ابن وهب أخبرنى حيوة أخبرنى أبو عيسى الخراساني عن عبد اللَّه بن القاسم خراسانى عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنى عمر ابن الخطاب فشهد أنه سمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في مرضه الّذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج
و هذا الاسناد لا يخلو عن نظر ثم ان كان هذا الصحابي عن معاوية فقد تقدم الكلام على ذلك و لكن في هذا النهى عن المتعة لا القران. و ان كان في غيره فهو مشكل في الجملة لكن لا على القران و اللَّه أعلم.
ذكر مستند من قال: أنه عليه الصلاة و السلام أطلق الإحرام و لم يعين حجا و لا عمرة أولا ثم بعد ذلك صرفه إلى معين و قد حكى عن الشافعيّ أنه الأفضل إلا أنه قول ضعيف.
قال الشافعيّ (رحمه اللَّه): أنبأنا سفيان أنبأنا ابن طاوس و إبراهيم بن ميسرة و هشام بن حجير سمعوا طاوسا. يقول: خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من المدينة لا يسمى حجا و لا عمرة ينتظر القضاء فنزل عليه القضاء و هو بين الصفا و المروة فأمر أصحابه من كان منهم من أهل بالحج و لم يكن معه هدى أن يجعلها عمرة. و قال: «لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى و لكن لبدت رأسي و سقت هديي فليس لي محل إلا محل هديي فقام اليه سراقة بن مالك. فقال: يا رسول اللَّه اقض لنا قضاء كأنما ولدوا اليوم أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد. فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «بل للأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» قال: فدخل عليّ من اليمن فسأله النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بم أهللت؟ فقال: أحدهما لبيك إهلال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم).
و قال الآخر: لبيك حجة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هذا مرسل طاوس و فيه غرابة و قاعدة الشافعيّ (رحمه اللَّه) أنه لا يقبل المرسل بمجرده حتى يعتضد بغيره اللَّهمّ إلا أن يكون عن كبار التابعين كما عول عليه كلامه في الرسالة لأن الغالب أنهم لا يرسلون إلا عن الصحابة و اللَّه أعلم و هذا المرسل ليس من هذا القبيل بل هو مخالف للأحاديث المتقدمة كلها أحاديث الافراد و أحاديث التمتع و أحاديث القران و هي مسندة صحيحة كما تقدم فهي مقدمة عليه و لأنها مثبتة أمرا نفاه هذا المرسل و المثبت مقدم على النافي لو تكافئا فكيف و المسند صحيح و المرسل من حيث لا ينهض حجة لانقطاع سنده و اللَّه تعالى أعلم:
و قال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد اللَّه الحافظ أنبأنا أبو العباس الأصم حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا محاضر حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة. قالت: خرجنا مع رسول