البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥ - قصة مسجد الضرار
و رسوله؟ فسكت فعدت له فنشدته فسكت فعدت له فنشدته فقال اللَّه و رسوله أعلم، ففاضت عيناي و توليت حتى تسورت الجدار. قال و بينا أنا أمشى بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدلني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إذا جاءني دفع الى كتابا من ملك غسان [في سرقة من حرير] فإذا فيه، أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك و لم يجعلك اللَّه بدار هوان و لا مضيعة، فالحق بنا نواسيك. فقلت لما قرأتها: و هذا أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يأتينى فقال: رسول اللَّه يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت أطلقها أم ما ذا أفعل؟ قال لا بل اعنزلها و لا تقربها، و أرسل الى صاحبىّ بمثل ذلك، فقلت لامرأتى الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضى اللَّه في هذا الأمر.
قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية الى رسول اللَّه فقالت يا رسول اللَّه إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه، قال «لا و لكن لا يقربك»
قالت إنه و اللَّه ما به حركة إلى شيء، و اللَّه ما زال يبكى منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول اللَّه في امرأتك كما استأذن هلال ابن أمية أن تخدمه، فقلت و اللَّه لا أستأذن فيها رسول اللَّه و ما يدريني ما يقول رسول اللَّه إذا استأذنته فيها و أنا رجل شاب، قال فلبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول اللَّه عن كلامنا، فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة و أنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللَّه عز و جل قد ضاقت عليّ نفسي و ضاقت على الأرض بما رحبت سمعت صوت صارخ أو في على جبل سلع [يقول] بأعلى صوته: يا كعب أبشر، فخررت ساجدا و عرفت أن قد جاء فرج و آذن رسول اللَّه [للناس] بتوبة اللَّه علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، و ذهب قبل صاحبي مبشرون، و ركض رجل إليّ فرسا، و سعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الّذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشراه و اللَّه ما أملك غيرهما يومئذ، و استعرت ثوبين فلبستهما و انطلقت إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونى بالتوبة يقولون ليهنك توبة اللَّه عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد اللَّه يهرول حتى صافحنى و هنأني، و اللَّه ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره و لا أنساها لطلحة،
قال كعب: فلما سلمت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يبرق وجهه من السرور «أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك» قال قلت أمن عندك يا رسول اللَّه أم من عند اللَّه؟ قال «لا بل من عند اللَّه» و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا سرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر و كنا نعرف ذلك منه. فلما جلست بين