البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤ - قصة مسجد الضرار
رجل من بنى سلمة: يا رسول اللَّه حبسه برداه و نظره في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، و اللَّه يا رسول اللَّه ما علمنا عليه إلا خيرا، فسكت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال كعب بن مالك: قال فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني همي و طفقت أتذكر الكذب و أقول بما ذا أخرج غدا من سخطه و استعنت على ذلك بكل ذي رأى من أهلي، فلما قيل إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد أظل قادما زاح عنى الباطل و عرفت أنى لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه و أصبح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قادما فكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فطفقوا يعتذرون اليه و يحلفون له و كانوا بضعة و ثمانين رجلا،
فقبل منهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) علانيتهم و بايعهم و استغفر لهم و وكل سرائرهم الى اللَّه عز و جل، فجئته فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال «تعال» فجئت أمشى حتى جلست بين يديه، فقال لي «ما خلفك؟ أ لم تكن قد ابتعت ظهرك» فقلت بلى إني و اللَّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر- و لقد أعطيت جدلا- و لكنى و اللَّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنى ليوشكن اللَّه أن يسخطك على، و لئن حدثتك حديث صدق تجد على فيه إني لأرجو فيه عفو اللَّه، لا و اللَّه ما كان لي من عذر، و و اللَّه ما كنت قط أقوى و لا أيسر منى حين تخلفت عنك، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضى اللَّه فيك»
فقمت فثار رجال من بنى سلمة فاتبعوني فقالوا لي: و اللَّه ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا و لقد عجزت أن لا تكون اعتذرت الى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بما اعتذر اليه المخلفون، و قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لك فو اللَّه ما زالوا يؤنبوننى حتى هممت أن ارجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم هل لقي هذا معى أحد؟
قالوا نعم رجلان قالا مثل ما قلت و قيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت من هما، قالوا مرارة بن الربيع العمرى و هلال بن أمية الواقفي فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما و نهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف، فاجتنبنا الناس و تغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي اعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا و قعدا في بيوتهما يبكيان، و أما أنا فكنت أشب القوم و أجلدهم فكنت أخرج فاشهد الصلاة مع المسلمين و أطوف في الأسواق و لا يكلمني أحد، و آتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأسلم عليه و هو في مجلسه بعد الصلاة و أقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام على أم لا، ثم أصلى قريبا منه فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل الى و إذا التفت نحوه أعرض عنى حتى إذا طال على ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبى قتادة- و هو ابن عمى و أحب الناس الى- فسلمت عليه فو اللَّه ما رد على السلام فقلت يا أبا قتادة أنشدك باللَّه هل تعلمني أحب اللَّه