البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢ - قصة مسجد الضرار
يفد من عند أبى عامر الراهب، و مجمع لمن هو على طريقتهم من المنافقين و لهذا قال تعالى وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ. ثم قال وَ لَيَحْلِفُنَ أي الذين بنوه إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى أي إنما أردنا ببنائه الخير. قال اللَّه تعالى وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ثم قال اللَّه تعالى الى رسوله لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً فنهاه عن القيام فيه لئلا يقرر أمره ثم أمره ثم أمره و حثه على القيام في المسجد الّذي أسس على التقوى من أول يوم و هو مسجد قباء لما دل عليه السياق و الأحاديث الواردة في الثناء على تطهير أهله مشيرة اليه، و ما ثبت في صحيح مسلم من أنه مسجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا ينافي ما تقدم لانه إذا كان مسجد قباء أسس على التقوى من أول يوم فمسجد الرسول أولى بذلك و أحرى، و أثبت في الفضل منه و أقوى، و قد أشبعنا القول في ذلك في التفسير و للَّه الحمد. و المقصود أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما نزل بذي أو ان دعا مالك بن الدخشم و معن بن عدي- أو أخاه عاصم بن عدي- رضى اللَّه عنهما فأمرهما أن يذهبا إلى هذا المسجد الظالم أهله فيحرقاه بالنار، فذهبا فحرقاه بالنار، و تفرق عنه أهله.
قال ابن إسحاق: و كان الذين بنوه اثنى عشر رجلا وهم، خذام بن خالد- و في جنب داره كان بناء هذا المسجد- و ثعلبة بن حاطب، و معتب بن قشير، و أبو حبيبة بن الأزعر، و عباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، و جارية بن عامر، و ابناه مجمع و زيد، و نبتل بن الحارث، و بخرج و هو الى بنى ضبيعة، و بجاد بن عثمان و هو من بنى ضبيعة، و وديعة بن ثابت و هو الى بنى أمية.
قلت: و في غزوة تبوك هذه صلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خلف عبد الرحمن بن عوف صلاة الفجر أدرك معه الركعة الثانية منها، و ذلك أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ذهب يتوضأ و معه المغيرة بن شعبة فأبطأ على الناس، فأقيمت الصلاة فتقدم عبد الرحمن بن عوف، فلما سلّم الناس أعظموا ما وقع فقال لهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) «أحسنتم و أصبتم» و ذلك فيما رواه البخاري (رحمه اللَّه) قائلا حدثنا. و
قال البخاري حدثنا أحمد بن محمد حدثنا عبد اللَّه بن المبارك أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا و لا قطعتم واديا الا كانوا معكم» فقالوا يا رسول اللَّه و هم بالمدينة؟ قال «و هم بالمدينة حبسهم العذر»
تفرد به من هذا الوجه.
قال البخاري حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان حدثني عمرو بن يحيي عن العباس بن سهل بن سعد عن أبى حميد قال: أقبلنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا على المدينة قال «هذه طابة، و هذا أحد جبل يحبنا و نحبه» و رواه مسلم من حديث سليمان بن بلال به نحوه.
قال البخاري حدثنا عبد اللَّه بن محمد حدثنا سفيان عن الزهري عن السائب بن يزيد قال:
اذكر أنى خرجت مع الصبيان نتلقى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك. و رواه أبو داود و الترمذي من حديث سفيان بن عيينة به، و قال الترمذي حسن صحيح. و قال البيهقي