الطّلاق (التعليقة على تحرير الوسيلة) - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ٣٩٤ - القول في عدة وطئ الشبهة
والمهر والعدة[١]»[٢].
[١] وسائل الشيعة ٢١: ٣١٩، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب ٥٤، الحديث ١
[٢] اقول: لايخفى أنّ المسألة هي اعم من الحمل وعدمه، وعلى كل حال فإن حملت فالحق خلافاً لما افاده الاستاذ وجوب الاعتداد عليها بوضع الحمل وإن لم تحمل فبالشهور، بل وبالاقراء، وذلك خوفاً من اختلاط المياه وصيانة للانساب وللاطلاقات، فإنّ الاصل في الاعتداد في غير الوفاة هو الحمل والتحرز من اختلاط المائين كما قيل، ولذا نرى انّه انتفي عمّن لايحتمل الحمل فيها عادة، ففي مرسلة جميل بندراج، عن أحدهما( ع)« في الرجل يطلّق الصبية التي لم تبلغ ولايحمل مثلها وقد كان دخل بها والمرأة التي قد يئست من المحيض وارتفع حيضها فلا يلد مثلها، قال: ليس عليهما عدّة وإن دخل بهما»( ١). وكذا ما رواه محمد بنمسلمعن أبيجعفر( ع) قال:« التي لاتحبل مثلها لا عدّة عليها»( ٢). وغيرهما من النصوص، كما انّه مختار الشيخ في مقطوع الذكر، قال:« وإن كان قد قطع جميع ذكره فالنسب يلحقه، لأنّ الخصيتين اذا كانتا باقيتين فالانزال ممكن، ويمكنه أن يساحق وينزل، فإن حملت عنه اعتدّت بوضع الحمل وإن لم تكن حاملًا اعتدّت بالشهور، ولايتصوّر أن يعتدّ بالاقراء لأنّ عدّة الأقراء إنّما تكون عن طلاق بعد دخول، والدخول متعذر من جهته»( ٣) فإنّ المسألة وما ذكره الشيخ يرتضعان من ثدي واحدة وإن كان في تفرقته بين الموردين بالشهور والاقراء منع واشكال. نعم حصر حكمة لزوم الاعتداد في مثل الاجتناب عن اختلاط المياه ممنوعلكن هناك فرق بين كون الاعتداد لخصوص التحرز عن مثل ذلك وبين كون التحرز عن اختلاط المياه ايضاً موجباً للاعتداد فإنّه على الثاني لا منافاة ولا اشكال في أن يكون الدخول وإن لم ينزل او الانزال لكن مع انتفاء الرحم، ايضاً موجباً للاعتداد. فعلى هذا إنّ لزوم الاعتداد له سببان؛ الدخول بها وإن لم ينزل، ودخول الماء وإن لم يدخل بها وكذا وإن لم تحمل، فإنّ الولد للفراش ومعلوم أنّ النطفة التي استقرّت في الرحم او الماء الذي تكوّن الولد منه ايضاً من الفراش، واضافية« إنّما العدّة من الماء» لاتنافي كون خصوص الماء ايضاً موجباً لها، كما أنّ وجوبها لالتقاء الختانين ايضاً لاينافي وجوبها لدخول الماء ايضاً فإنّ المراد من مثل« اذا التقى الختانان وجب العدّة» وجوبها وإن لم ينزل وليس فيه حصر لوجوبها في التقائهما، ولو سلّم الحصر فهو اضافي يرجع إلى التأكيد على وجوب الاعتداد عند الالتقاء وإن لم ينزل، في قبال توهم بعض الناس بأنّ العدّة بدخول الماء او بدخوله مقارناً لدخول الرجل بها.
وفي المسالك بعد أن ذكر أنّ المعتبر من الوطئ غيبوبة الحشفة قبلًا او دبراً قال:« وفي حكمه دخول منيّه المحترم فرجاً، فيلحق به الولد إن فرض وتعتدّ بوضعه، وظاهر الاصحاب عدم وجوبها بدون الحمل هنا»( ٤) وقد اورد عليه صاحب الجواهر( قّدس سّره) ب« انّ المتجه مع فرضه كونه بحكم الاعتداد قبل ظهور الحمل مخافة اختلاط المائين، بل لعل وجوب العدّة لها حاملًا يقتضي ذلك ايضاًضرورة معلومية اشتراط العدّة بطلاقها الدخولي، فإن لم يكن ذلك بحكمه لم يكن لها عدّة حتّى معه ايضاً، لظهور النصوص المزبورة في اعتبار الالتقاء والادخال والمس ونحوها ممّا لايندرج فيها المساحقة من غير فرق بين الحامل وغيرها، والآية إنّما يراد منها بيان مدّة العدّة للحامل، لا أنّ المراد منها بيان وجوب العدّة على الحامل وإن لم تكن مدخولًا بها، كما هو واضح بادنى تأمل».
وبعد ذلك قد أظهر صاحب الجواهر غرابة« حكمهم بعدم العدّة في المجبوب الّذي لا فرق بينه وبين مقطوع الذكر خاصّة، بعد فرض حصول ماء من مساحقته يمكن تكوّن الولد منه ولو على خلاف العادة» بما يفيدنا فيما نحن فيه ايضاً، فإنّه قال في وجه الغرابة« لاطلاق قوله( ص):« الولد للفراش» المفروض شموله لمساحقة سليم الأنثيين، ولو كان الّذي ألجأهم إلى ذلك حمل قوله« إنّما العدّة من الماء» على ارادة بيان الحكمة لا السبب، ولذا أعقبه باعتبار الادخال في العدّة، ولم يجعلوا ذلك سببين للعدّة، وحمل قوله( ص):« لذّت منه ولذّ منها» على خصوص الالتذاذ بالادخال لا مطلقاً بحيث يشمل المساحقة لكن كان المتجه عدم التزام العدّة حتّى مع الحمل منه، وكون منيّه محترماً لاينافي سقوط العدّة المشترطة بالدخول، والفرض عدمه، فيكون حملها نحو حملها باستدخال قطنة من منيّه أو بمساحقة زوجة كانت تحته، وصعوبة التزام ذلك باعتبار كونها حاملًا منه كصعوبة التزام عدم العدّة المحترم فيها المحتمل تكوّن ولد منه، مع أنّ مشروعية العدّة للحفظ من اختلاط الماء، والحكمة وإن لم تطرد لكن ينتفي الحكم الّذي شرع لها معها، فليس إلّاالقول بأن للعدّة سببين:
أحدهما دخول مائه المحترم فيها بالمساحقة أو بايلاج دون تمام الحشفة، والثاني ايلاج الحشفة وإن لم ينزل بل وإن كان صغيراً غير قابل لنزول ماء منه، فتأمّل جيداً فإنّ المقام غير منقّح»( ٥).
فتحصّل ممّا ذكر أنّ دخول ماء الزوج او غيره شبهة يوجب العدّة وإن لم تحمل، كما أنّ الدخول يوجبها وإن لم ينزل او لم تحمل او لايمكن حملها لانتفاء الرحم ونحوه.
وإلى ما اشرنا اليه من الحكمة والمصلحة في الاعتداد يشير بعض النصوص ويرشد اليه، فمنها ما رواه الصدوق باسناده عن محمد بنسنان أنّ اباالحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام كتب اليه فيما كتب من جواب مسائله« حرم الزنا لما فيه من الفساد من قتل الأنفس وذهاب الانساب وترك التربية للاطفال وفساد المواريث وما اشبه ذلك من وجوه الفساد»( ٦).
ومنها ما رواه ايضاً بنفس الاسناد انه( ع) كتب اليه فيما كتب من جواب مسائله« حرّم اللَّه عزّوجلّ قذف المحصنات لما فيه من فساد الانساب ونفي الولد وابطال المواريث وترك التربية وذهاب المعارف وما فيه من المساوئ والعلل التي تؤدّي إلى فساد الخلق».( ٧) ومنها ما مرّ في كلام الاستاذ من خبر اسحاق بنجرير، عن أبيعبداللَّه( ع)( ٨) ومنها ما مرّ ايضاً في كلامه من خبر ابنشعبة، عن ابى جعفر الجواد( ع)( ٩).
هذا وقد ظهر ممّا ذكرنا الاشكال والتأمل في قولهم بعدم العدّة على المزني بها وفي ما استدلّ به الاستاذ على ذلك، فإنّ انصراف اطلاق مثل« إنّما العدّة من الماء» او« بالتقاء الختانين» او« بالدخول»، ممنوع، وكون بعضها في الزواج لايمنع من اطلاق غيرهاوايجاب الاعتداد على الرجل في روايتي ابنجرير وابن شعبة معلوم أنّ المراد منه انتظاره حتّى تعتدّ المرأة لا وجوب العدّة عليه فهو مثل ما عبّر عن اعتداد الرجال بقوله تعالى« فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدّونها»، وما هو المستفاد في كلامه من قوله تعالى« فما لكم عليهنّ من عدّة» لو سلمّ فهو أنّ للزوج حق العدّة لا أنّ العدّة كلها له ولاجله، ولذا وطئ الشبهة ايضاً يوجب العدّة مع أنّ الماء فيه ليس للزوج، وعدم الحرمة لماء البغيّ يمكن أن يجعل نفسه سبباً للزوم الاعتداد وذلك ليتبيّن ماء البغيّ من الماء المحترم.
ويؤيد ما ذكرناه ما ارسله صاحب الوسائل( قّدس سّره) عنهم( ع)« اذا أدخله فقد وجبت العدّة والغسل والمهر والرجم»( ١٠).
نعم ما يسهّل الامر أنّ الولد للفراش فما دام يمكن لحوق الولد بالزوج شرعاً لا وجه للتحرز عن اختلاط المياه ولايضرّ ذلك، وإن لم تكن ذات بعل فكذلك لايوجب اختلاطها، نعم إن لم تكن حاملًا ولا ذات بعل فارادت التزوّج فيأتي الاشكال، كما أنّ الشهيد الثاني ايضاً مال إلى لزوم العدّة فإنّه بعد ذكر تقريب العلّامة( قّدس سّره) في التحرير أنّ العدّة عليها مع عدم الحمل قال:« ولا بأس به حذراً من اختلاط المياه وتشويش الانساب»( ١١) وذهب الفيض الكاشاني في المفاتيح إلى أنّ« الاحوط ثبوتها مطلقاً عملًا بالعمومات وحذراً من اختلاط المياه وتشويش الأنساب».
هذا ولصاحب الحدائق هنا كلام جدير بالذكر على طوله، اتماماً للفائدة واكمالًا للكلام في عدّة المزني بها، بل وتأييداً لما مرّ منا في اوّل التعليقة؛ قال( قّدس سّره):« المشهور في كلام الأصحاب بل الظاهر أنّه لا خلاف فيه أنّه لا عدة على الزانية إذا كانت ذات حمل من الزاني، أمّا لو لم تكن كذلك فالمشهور أيضاً أنّه لا عدّة عليها، وقيل: بوجوبها واليه مال العلّامة في التحرير( ١٢). قال المحدّث الكاشاني فى المفاتيح« قيل: ولا عدة للزاني مع الحمل بلا خلاف إذ لا حرمة له، وبدونه قولان: أشهرهما العدم وأثبتها في التحرير، أقول: والأحوط ثبوتها مطلقاً عملًا بالعمومات وحذراً من اختلاط المياه وتشويش الأنساب» إنتهى. والظاهر أنّه أراد بالعمومات ما ورد عنهم( ع) فى عدة روايات من قولهم« اذا أدخله وجب الغسل والعدة والمهر والرجم»( ١٣) وقولهم« العدّة من الماء»( ١٤) ونحو ذلك وهو شامل بإطلاقه للزنا.
و أمّا العلّة الثانية وهي المحاذرة من اختلاط المياه وتشويش الأنساب، فهي لاتنطبق على الاطلاق الذي اختاره، إذ مع الحمل لايلزم ذلك كما لايخفى، وإنّما يتّجه في غير صورة الحمل.
أقول: والذي وقفت عليه من الأخبار المتعلّقة بذلك رواية إسحاق بنجرير المتقدمة في القسم الثالث، وهي دالّة على أنّه لايجوز لمن فجر بالمرأة أن يتزوّجها حتّى تنقضي عدتها باستبراء رحمها من ماء الفجور( ١٥).
و ما رواه الحسن بنعلي بنشعبة في كتاب تحف العقول عن ابيجعفر محمّد بنعلي الجواد( ص) أنّه سئل« عن رجل نكح امرأة على زنا، أ يحلّ له أن يتزوجها؟ قال: يدعها حتّى يستبرئها من نطفته ونطقة غيره، إذ لايؤمن منها أن تكون قد أحدثت مع غيره حدثاً كما أحدثت معه ثمّ يتزوج بها إذا أراد، فإنّما مثلها مثل نخلة أكل رجل منها حراماً ثمّ اشتراها فأكل منها حلالًا»( ١٦).
وما رواه فى التّهذيب عن زرعة عن سماعة في الموثق قال:« سألته عن رجل له جارية فوثب عليها ابن له ففجر بها، قال: قد كان رجل عنده جارية وله زوجة فأمرت ولدها أن يثب على جارية أبيه ففجر بها فسئل أبوعبداللَّه( ع) عن ذلك فقال: لايحرم ذلك على أبيه، إلّاأنّه لاينبغي له أن يأتيها حتّى يستبرئها للولد، فإن وقع فيما بينهما ولد فالولد للأب إن كانا جامعاها في يوم واحد وشهر واحد»( ١٧).
وإلى العمل بهذه الأخبار مال المحدّث الشيخ محمد بنالحسن الحرّ العاملي، فقال في بدايته بوجوب العدّة على الزانية إذا أرادت أن يتزوج الزاني أو غيره، وهو جيّد، إلّاأنّ عبارته مطلقة في وجوب العدة على الزانية حاملًا كانت أم لا. والمستفاد من الروايات المذكورة من حيث التعليل فيها باستبراء الرحم، التخصيص بغير الحامل كما لايخفى، وما تعلّق به أصحابنا النافين للعدة من حيث« إنّ ماء الزاني لا حرمة له» إجتهاد في مقابل النصوص.
وأنت خبير بأنّ المستفاد من روايتي إسحاق بنجرير ورواية كتاب تحف العقول تخصيص وجوب الاستبراء بغير ذات البعل إذا أرادت أن يتزوج الزاني وغيره، وهو الذي صرح به القائلون بوجوب العدة. أمّا لو كانت ذات بعل فإشكال ينشأ من دلالة الأخبار على أنّ الولد للفراش، فيلحق بالزوج، وإن احتمل كونه من الزاني( ١٨)، وحينئذٍ فلا يضرّ اختلاط المياه، لأنّ الشارع ألحقه بالزوج، ومن ظاهر موثّقة سماعة المذكورة، ولعلّ الموثقة المذكورة محمولة على استحباب الاستبراء وكراهة الجماع بدونه، ويخرج لفظ« لاينبغي» شاهداً بأن يحمل على ما هو المتعارف من الكراهة، إلّاأنّ عبارة الشيخ المفيد المتقدمة ظاهرة فيما دلّت عليه الرواية المذكورة، والاحتياط ظاهر، واللّه العالم». انتهى كلام صاحب الحدائق( قّدس سّره)( ١٩).« المقرر» ١- وسائل الشيعة ٢٢: ١٧٨، كتاب الطلاق، أبواب العدد، الباب ٢، الحديث ٣.
٢- وسائل الشيعة ٢٢: ١٨٢، كتاب الطلاق، أبواب العدد، الباب ٣، الحديث ٢.
٣- المبسوط ٥: ٢٣٨.
٤- مسالك الأفهام ٩: ٢١٥.
٥- جواهر الكلام ٣٢: ٢١٦- ٢١٨.
٦- علل الشرائع: ٤٧٩، وسائل الشيعة ٢٠: ٣١١، كتاب النكاح، أبواب النكاح المحرّم، الباب ١، الحديث ١٥.
٧- علل الشرائع: ٤٨٠.
٨- وسائل الشيعة ٢٢: ٢٦٥، كتاب الطلاق، أبواب العدد، الباب ٤٤، الحديث ١.
٩- وسائل الشيعة ٢٢: ٢٦٥، كتاب الطلاق، أبواب العدد، الباب ٤٤، الحديث ٢.
١٠- وسائل الشيعة ٢٢: ٢٦٦، كتاب الطلاق، أبواب العدد، الباب ٤٤، الحديث ٣.
١١- مسالك الأفهام ٩: ٢٦٣.
١٢- قال في التحرير: ولو زنت امرأة خالية من بعل فحملت لم يكن عليها عدة من الزنا، وجاز لها التزويج، ولو لم يحمل فالاقرب أنّ عليها العدة. انتهى.
١٣- وسائل الشيعة ٢١: ٣١٩، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب ٥٤، الحديث ١ و ٩.
١٤- وسائل الشيعة ٢١: ٣١٩، كتاب النكاح، أبواب المهور، الباب ٥٤، الحديث ١.
١٥- وسائل الشيعة ٢٢: ٢٦٥، كتاب الطلاق، أبواب العدد، الباب ٤٤، الحديث ١.
١٦- وسائل الشيعة ٢٢: ٢٦٥، كتاب الطلاق، أبواب العدد، الباب ٤٤، الحديث ٢.
١٧- تهذيب الأحكام ٨: ١٧٩/ ٦٢٧، وسائل الشيعة ٢١: ١٦٧، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والاماء، الباب ٥٥، الحديث ٣.
١٨- وسائل الشيعة ٢١: ١٦٦، كتاب النكاح، أبواب نكاح العبيد والاماء، الباب ٥٥.
١٩- الحدائق الناضرة ٢٣: ٥٠٤- ٥٠٦