مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٨٤ - الثانية من الفقهاء من زعم أنه لا يجب على النبيّ
..........
على ما ذكره المفسّرون [١] و المحدّثون [٢]، و هو المناسب لسياق الآية، فكيف يجعل ضمير الجمع عائدا إلى الواهبات و ليس له منهنّ إلا واحدة؟! ثمَّ لو تنزّلنا و سلّمنا جواز عوده إلى الواهبات لما جاز حمله عليه بمجرّد الاحتمال مع وجود اللفظ العامّ الشامل لجميعهنّ.
و أيضا: فإنّ غاية الهبة أنّ تزويجه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) يصحّ بلفظ الهبة من جانب المرأة أو من الطرفين على ما مرّ من الخلاف، و ذلك لا يخرج الواهبة عن أن تكون زوجة فيلحقها ما يلحق غيرها من أزواجه، لا أنّها تصير بسبب الهبة بمنزلة الأمة. و حينئذ فتخصيص الحكم بالواهبات لا وجه له أصلا.
و قد نظر بعض العلماء [٣] في أحكام تزويجه و مخالفته لغيره نظرا- مع ما فيه- أقرب ممّا ذكره المصنف، فبنى الحكم بوجوب القسمة و عدمها على أنّ النكاح في حقّه هل هو كالتسرّي في حقّنا، أم لا؟ من حيث النظر إلى عدم انحصار أزواجه في عدد، و انعقاد نكاحه بلفظ الهبة، و بغير وليّ و لا شهود، و في الإحرام، كما نقل أنه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) نكح ميمونة محرما [٤]، و هذا يدلّ على الأول فلا تجب عليه القسمة، و إن كان نكاحه على حقيقته وجبت.
و الحقّ: الرجوع في مثل ذلك إلى النصّ، و ترك ما هو عين النزاع أو مصادرة على المطلوب. و الذي يستفاد من ظاهر الآية عدم وجوب القسم عليه مطلقا، و فعله له جاز، كونه بطريق التفضّل و الانصاف و جبر القلوب، كما قال اللّه تعالى:
ذٰلِكَ أَدْنىٰ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَ لٰا يَحْزَنَّ وَ يَرْضَيْنَ بِمٰا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ [٥] و اللّه أعلم.
[١] التبيان ٨: ٣١٩، جامع البيان (تفسير الطبري) ج ٢٢: ١٧.
[٢] السنن الكبرى ٧: ٥٥، الدر المنثور ٦: ٦٢٩.
[٣] روضة الطالبين ٥: ٣٥٤.
[٤] راجع روضة الطالبين ٥: ٢٤.
[٥] الأحزاب: ٥١.