مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ١١ - الأوّل في آداب العقد
..........
كونه حصورا، و هو الذي لا يشتهي النساء، و قيل: الذي يمكنه أن يأتي و لا يفعله. [١]
و استدلّ له أيضا: بأنّ في النكاح تعريضا لتحمّل حقوق الزوجيّة، و الاشتغال عن كثير من المقاصد الدينيّة، و حصول الولد الصالح و الزوجة الصالحة غير معلوم، و بالذمّ المتبادر من قوله تعالى زُيِّنَ لِلنّٰاسِ حُبُّ الشَّهَوٰاتِ مِنَ النِّسٰاءِ [٢] خرج منه ما أجمع على رجحانه فيبقى الباقي [على الذمّ] [٣].
و أجيب: بأنّ مدح يحيى (عليه السلام) بذلك لعلّه مختصّ بشرعه، فلا يلزم مثله في شرعنا.
و فيه نظر، لأنّ المدح في كتابنا- و هو شرعنا- مطلق، فلا دلالة على اختصاصه بشرعه. و على تقدير نقله عن شرعه ففي تعدّيه إلى شرعنا مع نقل القرآن له و عدم الإشارة إلى نسخه دليل على ثبوته. و كون شرعنا ناسخا لما قبله من الشرائع يفيد نسخ المجموع من حيث هو مجموع أمّا الأفراد فلا، للقطع ببقاء كثير منها في شرعنا، كأكل الطيّبات و نكاح الحلائل و غير ذلك.
و أجيب أيضا: بأنّه كان مكلّفا بإرشاد أهل زمانه في بلادهم المقتضي للسياحة و مفارقة الزوجة، المنافي لرجحان التزويج. و فيه نظر، لأنّ مثله وارد في شرعنا، و لا يقولون باستحباب ترك التزويج لذلك.
و الأولى في الجواب أن يقال: إنّ مدحه بكونه حصورا- و هو أن لا يشتهي النساء- لا يدلّ على كون التزويج مع ذلك مرجوحا، بل فائدته أنّه إذا لم يشته النساء يتفرّغ للعبادة و التوجّه إلى اللّه تعالى بقلب فارغ من الشهوة الطبيعيّة المانعة من ذلك غالبا، و إن كان التزويج مع ذلك راجحا، لأنّ
[١] المبسوط ٤: ١٦٠.
[٢] آل عمران: ١٤.
[٣] من إحدى الحجريتين.