مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ٦١ - الاولى الوطء في الدبر
..........
أين شئت و أنّى شئت، و حيث كان كذلك كانت الآية دليلا على جواز الإتيان في الدبر، إذ لا يتحقّق تعدّد المكان إلّا بذلك. و يؤيّد هذا ما روى العامّة عن ابن عبّاس أنّ سبب نزول هذه الآية أنّ عمر جاء إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: يا رسول اللّه هلكت، و حكى وقوع هذا الفعل منه، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية [١].
و حجّة المانع من الآية: أنّ اللّه تعالى جعلهنّ حرثا، و الحرث إنّما يؤتى للزرع.
و وجه التشبيه أنّهن يشبهن الأرض من حيث إنّ النطفة التي تلقى في أرحامهنّ للنسل كالبذر الملقى في الأرض، فيكون معنى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ: فأتوهنّ كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أيّ جهة شئتم بعد أن يكون المأتي واحدا، و هو موضع الحرث. و وجه التخيير في الجهة- أي إتيان المرأة من قبلها في قبلها، أو من دبرها في قبلها- ما روي [٢] في سبب النزول أنّ اليهود قالوا: من أتى امرأة من دبرها في قبلها كان ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: كذبت اليهود، و نزلت الآية. و يؤيّد ذلك أيضا قوله فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّٰهُ فإنّ المراد به القبل، لأنّ الدبر لا يؤمر به إجماعا، و إنّما غايته الكراهة، و الأمر يقتضي الرجحان.
أقول: و في الاحتجاج من الجانبين بحث، أمّا الأول فلأنّ كلمة «أنّى» و إن وردت بمعنى «أين» المفيدة هنا لعموم المكان، لكنّها ترد بمعنى «كيف» كما في قوله
[١] جاء هذا الخبر في كثير من مصادرهم مثل مسند أحمد ١: ٢٩٧، سنن الترمذي ٥: ٢٠٠ ح ٢٩٨٠، تفسير الطبري ٢: ٢٣٥، سنن البيهقي ٧: ١٩٨، و لكن مذيَّلا بذيل و هو (أقبل و أدبر و اتق الدبر و الحيضة) و الظاهر أنه تفسير من بعض الرواة. و في الدر المنثور ١: ٦٢٩ «يقول: أقبل و أدبر.». و فيه أيضا ١: ٦٣٦- ٦٣٧ عدة روايات بهذا المضمون بعنوان رجل أو رجل من الأنصار أو رجال.
[٢] السنن الكبرى للبيهقي ٧: ١٩٥- ١٩٤، الدرّ المنثور: ٦٢٧.