فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - الإيجي الشافعي - الصفحة ٤٩٠ - ذكر أحوال و أقوال و أفعال تؤثر و تروى، عن الإمام ابن الإمام الحسن المجتبى، الذي يحيى بحبّه قلب كلّ مؤمن و يقوى
١٣٥٤ و عن الرّياشي، عن محمد بن سلّام قال:
قال عمرو بن العاص لمعاوية: يا أمير المؤمنين، إنّ الحسن بن عليّ قد خفقت خلفه النعال، و وطئت عقيبه الرجال، و قال فصدّق، و أمر فأطيع، و هذا رافعه إلى ما هو أرفع منه، فابعث إليه ليجيء حتى أصغّر إليه نفسه و اعلمه أنّه ليس للخلافة بأهل، فإنّه قد مدّ إليها عنقه، و طمح إليها ببصره، و بسط لها باعه، فقال معاوية: ويحك يا عمرو، إنّ الحسن لا يخفق على جزّة، و لا يختل عن غرّة، و لا يقعقع بشأنه، و لا يجارى في عنانه، و كيف يرام من جدّه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و جدّته خديجة، و أمّه فاطمة، و أبوه عليّ بن أبي طالب، تبحبح من المجد في ذروته، و من الشرف في قلّته، فهو بالمكان العالي الرفيع الذي لا ينال، فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، إنّي لأستشير كامن جنانه، و لا أنازعه فضل عنانه، بل أجادله بالمأخذ الرقيق، و القول الصادق المصيب، فأعرّفه فضلك عليه و مننك لديه، و ما لم تزل تسديه إليه من غير فحش و لا هجر، فقال معاوية: و اللّه إنّي لأخاف أن تهاب كلامه، و ترهب لسانه، و تستثقل وطأته، و تكره طحمته، قال: كلّا، لأفلّنّ ذرب لسانه، و لأضعضعنّ نزوان جنانه، و لألجلجنّ حمّة بيانه، فقال: شأنك إذن.
فبعث معاوية إلى الحسن (عليه السلام)، فجاء حتّى دخل إليه، فجلس محاذي عمرو بن العاص، فقال عمرو: إنّ اللّه رأى أمير المؤمنين أهلا للخلافة، فإن كنت يا حسن تحدّث نفسك فاقصر عنها خطاك، و نهنه عنها مناك، و استشعر اليأس منها، فإنّك لست لها و لا هي لك!
فقال الحسن (عليه السلام): «ويلك يا عمرو! و اللّه لقد علمت قريش إنّي أرومتها، و فرع ذروتها و كرم منبتها و منيع جرثومتها، لم أطبع على ضعف، و لم أعكس على خسف، يعرف شبهي و ادعى بأبي، لم يؤين عودي بالقوادح، و لم يقرع صفاتي بالملاطس، و لم يقعد بي لؤم المناكح، و لم يخاصم في مسافح، و إنّك لمهتوك لم تسلك سبيل قصيد، و لم تنهض براية مجد، و لو أطاعني معاوية لأنزلك منزل العدوّ المداهن الشنف المشاجن، لأنّه طالما اجرهدّ في الضلال شاؤك، و طمح إلى الباطل رجاؤك، و بلغ بك الغاية القصوى، و رمت الرّتب الّتي لم يسمق بها فرعك،