فضائل الثقلين من كتاب توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل - الإيجي الشافعي - الصفحة ٢٨٧ - الباب السادس عشر في أنّه كما يقاتل النبي
و أمّا وقعة صفّين، فقال القرطبي: إنّ معاوية لمّا بلغه مسير أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) إليه من العراق، خرج من دمشق حتّى ورد صفّين في النصف من المحرم، فسبق إلى سهولة المنزل وسعة المناخ و قرب الماء من الفرات، و بنى قصرا لبيت ماله، و كان أهل الشام قد سبقوا إلى المشرعة من سائر الجهات، و لم يكن ثمّ مشرعة سواها للواردين و الواردات، فمنعت عليا رضى اللّه عنه إيّاها، و حمتها عنه [١] تلك الكماة [٢]، فذكّرهم بالمواعظ الحسنة و الآيات، و حذرهم بقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في من منع فضل ماء بالفلاة، فردّوا قوله و أجابوه بألسنة الطغاة، إلى أن قاتلهم بالقواضب و السمهريات [٣].
فلمّا غلبهم عليها أباحها للشاربين و الشاربات، ثم بنى مسجدا على تلّ بأعلى الفرات، ليقيم مدّة مقامه فرائض الصلوات؛ لفضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد بسبع و عشرين من الدرجات، على ما ثبت في الصحيح من رواية ابن عمر و غيره من الصحابة العدول الثقات. و حضرها مع عليّ جماعة من البدريّين، و ممّن بايع تحت الشجرة من الصحابة المرضيّين.
و كان مع عليّ (عليه السلام) رايات كانت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في قتال المشركين، و كان مقام علي (عليه السلام) و معاوية بصفّين سبعة أشهر، و قيل: تسعة، و قيل: ثلاثة أشهر، و كان بينهم قبل القتال نحو من سبعين زحفا، و قتل في ثلاثة أيّام من أيّام البيض- و هي ثلاث عشرة، و أربع عشرة، و خمس عشرة- ثلاثة و سبعون ألفا من الفريقين، و ذكره الثقة العدل أبو إسحاق ابراهيم بن الحسين الكسائي الهمداني، و هي ليلة الهرير، جعل يهرّ بعضهم إلى بعض، و الهرير: صوت يشبه النباح، لأنّهم تراموا بالنبل حتّى فنيت، و تطاعنوا بالرماح حتّى اندقّت، و تضاربوا بالسيوف حتّى انقضت، ثم نزل القوم يمشي بعضهم إلى بعض، قد كسروا جفون سيوفهم، و اضطربوا بما بقي من السيوف و عمد الحديد، فلا تسمع إلّا غمغمة القوم، و الحديد في إلهام، فلمّا صارت السيوف كالمناجل تراموا بالحجارة، ثم
[١]. حمى الشيء يحميه: دفع عنه، و منعه عن غيره.
[٢]. الكماة: جمع كميّ، و هو المتستّر بسلاحه من درع و بيضة ما شابههما.
[٣]. السمهريات: جمع سمهرية، و هي الرماح الصلبة، منسوبة إلى سمهر، اسم رجل كان يقوم الرماح.