شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٥٤ - «الشرح»
..........
و مرّ الازمان فيحصل له ملكة الانزجار عن القبائح و مبدأ الانقباض عن المحارم و هي الحياء و له مراتب متفاوتة و أفراد متفاضلة أكملها و أفضلها ما ينزجر به الجوارح الظاهرة و الباطنة كلّها عن ارتكاب ما لا ينبغي و دون ذلك درجات، فإن قلت قد يكون في الانسان ما يمنعه من حقوق اللّه تعالى فهل هو حياء حقيقة أم لا؟ قلت: لا و إنّما هو خور و مهانة و حمق- و إطلاق الحياء عليه أحيانا و تقسيمه إليهما في قوله (صلى اللّه عليه و آله) «الحياء حياءان حياء عقل و حياء حمق فحياء العقل هو العلم و حياء الحمق هو الجهل [١]» و فيما نقل عن الحكماء أنّ الحياء منه سكينة و وقار و منه ضعف و فيما نقل عنهم في باب الأخلاق أنّ كلّ فضيلة نفسانيّة وسط بين طرفيها المذمومين طرف الإفراط و طرف التفريط فالحياء الممدوح وسط بين طرف إفراطه و هو الخور أعنى الاستحياء من كلّ شيء و هذا مذموم لأنّه يؤدّي إلى ترك الواجبات كالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و غيره و طرف تفريطه و هو الخلاعة أعني عدم الاستحياء من بعض الوجوه و هذا أيضا مذموم لأنّه يؤدّي إلى ارتكاب بعض المحظورات- لا يدلّ على أنّ إطلاق الحياء على ما يمنع من حقوقه تعالى على سبيل الحقيقة لأنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة و المقسم لا يجب أن يكون محمولا على معناه الحقيقي و يؤيّد ما قلنا ما رواه مسلم عن عمران بن حصين أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: «الحياء لا يأتي إلّا بخير [٢]» و الحياء كلّه خير [٣]» و حمل هذا على الايجاب الجزئى لا وجه له على أنّ اصطلاح الحكماء ليس حجّة علينا و لذلك لمّا سمع بشر بن كعب عن عمران ما نقله عارضه بقول الحكماء فقال عمران احدّثك عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و تحدّثني عن صحيفة الحكماء فانكار عمران دلّ على أن لا وجه لمعارضة السنّة بقول الحكماء و يؤيّده أيضا قول المحقّق الطوسي- ره- حيث عدّ الحياء من أنواع العفّة الحاصلة من الاعتدال في القوّة الشهويّة و عرفه
[١] رواه الكليني في كتاب الايمان و الكفر باب الحياء ٨.
[٢] أخرجه في صحيحه ج ١ ص ٤٧ و البخارى ج ٨ ص ٣٥ من حديث عمران بن حصين.
[٣] أخرجه مسلم ج ١ ص ٤٨ و أبو داود في السنن ج ٢ ص ٥٥٢.