شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٩٧ - «الشرح»
..........
إذا نظرت إليه ذكرت الدّنيا و زخارفها فأعرض عن الدّنيا بقلبه، و أمات ذكرها من نفسه و أحبّ أن تغيّب زينتها عن عينه لكي لا يتّخذ منها رياشا و تجمّلا [١] و لا يعتقدها قرارا و لا يرجو فيها مقاما، فأخرجها عن النفس، و أشخصها عن القلب و غيّبها عن البصر و كذلك من أبغض شيئا أبغض أن ينظر إليه و أن يذكر عنده، و قد كان فيه (صلى اللّه عليه و آله) ما يدلّك على مساوي الدّنيا و عيوبها إذ جاع فيها مع خاصّته و زويت عنها زخارفها مع عظيم زلفته، فانظر بنور عقلك أكرمه اللّه تعالى بذلك أم أهانه، فإن قلت: أهانه فقد كذبت و أتيت بالافك العظيم، و إن قلت: أكرمه فاعلم أنّه تعالى قد أهان غيره حيث بسط الدّنيا له و زواها عن أقرب الناس منه. و إلى حال وصى نبيّك أمير المؤمنين (عليه السلام) فانّه قال: رقّعت مدرعتي هذه حتّى استحييت من راقعها و لقد قال لي قائل: ألا تنبذها؟ فقلت: أعزب عنّي فعند الصباح يحمد القوم السرى. قوله (عليه السلام): «فعند الصباح- إلى آخره-» مثل يضرب محتمل المشقّة ليصل إلى الرّاحة و أصله أنّ القوم يسيرون باللّيل فيحمدون عاقبة ذلك لقرب المنزل إذا أصبحوا و مطابقة الصباح لمفارقة النفس البدن أو لاعراضها و اتّصالها بالعالم الأعلى بسبب تلك الرّياضة الكاملة و الزّهد عن الدّنيا و إشراق أنوار العالم العلوي عليها الّتي عندها يحمد عواقب الصبر على مكاره الدّنيا و ترك لذّاتها و معاناة الزهد عنها مطابقة ظاهرة واقعة موقعها، و قد روى أنّه سئل (عليه السلام) لم رقّعت قميصك؟ فقال: يخشع لها القلب و يقتدي بي المؤمنون [٢]» و ممّا نقل في زهده (عليه السلام) ما رواه أحمد في مسنده [٣] عن أبي الثور بالكوفة قال: جاءني عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) إلى السوق و معه غلام له و هو خليفة فاشترى منّي قميصين و قال لغلامه اختر أيّهما شئت فأخذ عليّ (عليه السلام) الآخر ثمّ لبسه و مدّ يده فوجد كمّه فاضلا
[١] الرياش اللباس الفاخر.
[٢] النهج أبواب الحكم تحت رقم ١٠٣.
[٣] ما عثرت عليه في المسند لعله رواه في الفضائل و رواه أبو نعيم في الحلية و نقل عنه على بن عيسى الاربلى في كشف الغمة أبواب زهده و ورعه (ع).