شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٤٨ - «الشرح»
..........
كفّ الأذى من كمال العقل لأنّ العاقل يعلم أنّ الغرض الأصلي من الخلق هو الوصول إلى جناب عزّته و الطيران في حظاير قدسه بأجنحة الكمال مع الملائكة المقرّبين و أنّ ذلك كما يتوقّف على عبادة الرّحمن كذلك يتوقّف على كفّ الأذى من الاخوان، فكما أنّ صرف الهمّة في العبادة من كمال العقل كذلك صرف النفس عن الأذى، و أمّا المؤذي فهو بمنزلة البهائم و السباع، عار عن حلية العقل و يعلم أيضا أنّ ترك الأذى يوجب التعاون و التعاطف و التراحم و التواصل و التظاهر و التواخي و التآلف و التودّد و الاجتماع، و كلّ ذلك ممّا يقتضيه كمال العقل و يعلم أيضا أنّ ترك الأذى يدلّ على حلمه و أناته و رفقه و إشفاقه و علمه بعواقب الامور و هي من آثار العقل، و يعلم أيضا أنّ إيذاء المسلم نقصان في الدين أو خروج منه لقوله (عليه السلام): «المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده [١]» فلذلك يتركه طلبا لكماله و أنّه من كمال العقل و لا تفاوت في هذا الحكم بين كفّ نفسه عن أذى الغير أو كفّ غيره عن أذى أحد
(١) (و فيه راحة البدن عاجلا و آجلا) لأنّ الدّنيا و الآخرة دار المكافاة فمن ترك الأذى سلم عن الآفات أما الآخرة فلقوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» و قوله تعالى: «سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ» و قول أمير المؤمنين (عليه السلام) «بئس الزّاد إلى المعاد العدوان على العباد [٢]» و قوله «يوم المظلوم على الظالم أشدّ من يوم الظالم على المظلوم [٣]» إلى غير ذلك من الآيات و الرّوايات، و أمّا الدّنيا فلقوله (عليه السلام) «من سلّ سيف البغى قتل به، و من حفر بئرا لأخيه وقع فيها» [٤] و لأنّ المظلوم إن كان ذا قوّة فقد ألقى المؤذي نفسه إلى التهلكة و إن لم يكن ذا قوّة اضمر العداوة و ينتهز الفرصة لإيقاع المكروه به كما هو المعلوم من أحوال أبناء الزّمان، و أيضا قد يرفعه الدّهر و ليس ذلك من الدّهر ببعيد فالمؤذى دائما في معرض الهلاك و قد يقال: الناس إمّا كاملون أو ناقصون و الناقص
[١] النهج أبواب الخطب تحت رقم ١٦٥ أولها «ان اللّه تعالى أنزل كتاب هاديا».
[٢] النهج أبواب الحكم تحت رقم ٢٢١ و ٢٤١ و ٣٤٩.
[٣] النهج أبواب الحكم تحت رقم ٢٢١ و ٢٤١ و ٣٤٩.
[٤] النهج أبواب الحكم تحت رقم ٢٢١ و ٢٤١ و ٣٤٩.