شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٤٦ - «الشرح»
..........
خلع اللّه تعالى عنهم لباس كرامته و رداء عزّته و غضارة نعمته فيستولي عليهم الاعداء و يتخذونهم عبيدا و يسومونهم سوء العذاب و هم متحيّرون في ذلّ الهلكة و قهر الغلبة لا يجدون حيلة في امتناع و لا سبيلا إلى دفاع [١].
(و استثمار المال تمام المروءة)
(١) أى استثمار المال و استنماؤه بالتجارة و غيرها من أنواع الاكتساب تمام الانسانيّة و كمال الرّجوليّة [٢] لما فيه من الاستعفاف عن النّاس و السّعي للتوسعة على الأهل و التعطّف على الجار و الاقتدار على قضاء الحوائج و الإتيان بسائر أبواب البرّ من مصالح الدّنيا و الآخرة. قال الصادق (عليه السلام):
«إصلاح المال من الايمان [٣]» و قال أيضا: «عليك باصلاح المال فإنّ فيه منبهة للكريم و استغناء عن اللّئيم» [٤] و الاخبار المرغّبة في كسب الحلال و الاستغناء عن الناس و جعله وسيلة إلى السّعادات الاخرويّة و التقرّب بالقربات الالهيّة و صرفه في وجوه البرّ أكثر من أن تعدّ و تحصى و إنّما المذموم من جعل الدّنيا لنفسه استقرارا و رضي بها دارا و اطمأنّ بها و ركن إليها و جعلها آلة للشهوات الباطلة
[١] من قوله: «و اللزوم للالفة» الى هنا مقتبس من النهج الخطبة المعروفة بالقاصعة.
[٢] المروءة مصدر مرء الرجل و ارادوا به شيئا غير كون الانسان مرءا اى رجلا فان هذا المعنى ثابت لكل رجل و ليس كل رجل ذا مروءة و ذلك لان الناس على ضربين منهم من يعتنى بنفسه و يتعاهده و يحب ان يحفظه مما يدنسه و يعيبه و منهم من لا يبالى بنفسه و لا يعتد بما يقول و ما يقال فيه، و نظير ذلك اختلاف الناس في ساير اموالهم و ما يتعلق بهم مثلا بعضهم يعتنى بداره و اثاثه و اولاده، و بعضهم يهمل كل شيء له و العالم يعتنى بكتبه و يحفظها من التلف و يضن بها من الضياع و غير العالم لا يعتنى بما يقع في يده من الكتب و الزارع كذلك بالنسبة الى البذور و الحقول و البساتين يعتنى بامور لا يعتنى به غيره و صاحب المروءة هو المعتنى بنفسه و المروءة ممدوحة في الشرع و العرف وعدها الفقهاء من شرائط العدالة لان البذى الوقيح الّذي لا يبالى بما يقال فيه و لا يعد نفسه مما يجب ان يتعاهد لا يجتنب القبائح البته. و اما استثمار المال فعده من تمام المروءة فان من يعتنى بنفسه يعتنى بماله من حيث ان ماله يقى عرضه و يحفظه من السؤال و يسهل عليه البذل و اعانة المضطرين و اغاثة الملهوفين فحفظ المال كمال لحفظ النفس (ش).
[٣] الكافى كتاب المعيشة باب اصلاح المال و تقدير المعيشة تحت رقم ٢.
[٤] الكافى كتاب المعيشة باب اصلاح المال و تقدير المعيشة تحت رقم ٦.