شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢١٠ - «الشرح»
..........
إلى غير ذلك من أنحاء الأسباب و أنواع الاكتساب، و في حفظها من دوام السهر ليلا و نهارا و جعلها نصب العين سرّا و جهرا إلى أن يموتوا أو يقتلوا ذلّا و صغارا
(و نظر)
(١) بعين البصيرة
(إلى الآخرة)
(٢) و مقاماتها الرّفيعة، و منازلها الشريفة، و مثوباتها الجزيلة، و منافعها الجميلة و إنّما لم يقل هنا «و أهلها» كما قال في قرينته للتنبيه على قلّتهم بل على عدم وجودهم
(فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقّة)
(٣) الحاصلة من صرف الفكر في المعارف الالهيّة و الأحكام الرّبانيّة في جميع الأوقات و حبس النفس و الجوارح على الطاعات في آناء اللّيل و أطراف النهار و أشرف السّاعات، و علم مع ذلك أنّ الدّنيا و الآخرة كضرّتي إنسان في أنّ محبّة إحداهما إسخاط للاخرى، أو مثل كفّتي ميزان في أنّ رفع إحداهما وضع للأخرى
(فطلب بالمشقّة أبقاهما)
(٤) لما جبلت النفوس عليه من عدم تحمل المشاق إلّا لأجل المنافع و المنافع الاخرويّة أجلّ قدرا و أعظم شأنا و أدوم زمانا من المنافع الدّنيوية بل لا نسبة بينهما إذا المتناهي لا يقاس بغير المتناهي كما قال عزّ شأنه حكاية عن قوم حين شاهدوا أهوال القيمة و علموا طول زمانها و سئلوا عن كميّة زمان تلبّثهم في الدّنيا «قٰالُوا لَبِثْنٰا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعٰادِّينَ» و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) «لو كانت الدّنيا من ذهب و الآخرة من خزف لاختار العاقل الخزف الباقي على الذّهب الفاني» كيف و الأمر على العكس هذا حال العاقل، و أمّا الجاهل فلكونه ضريرا يرى أمر الدّنيا عظيما و أمر الآخرة حقيرا، و ربّما يخطر من تدليس إبليس بباله القاصر و ذهنه الفاتر أنّ النقد خير من النسيئة فيختار الدّنيا على الآخرة و لا يعلم لعميان قلبه [١] و نقصان بصيرته أنّ النقد خير من النسيئة
[١] عميان القلب و نقصان البصيرة من غلبة الوهم على العقل و مثل لذلك المنطقيون بان العقل يركب مقدمات صحيحة يعترف بها الوهم فاذا اراد الاستنتاج نكص الوهم على عقبيه كالشيطان، مثلا يقول العقل الميت جماد و هو حق و الجماد لا يخاف عنه و هو أيضا حق يعترف به الوهم و النتيجة الميت لا يخاف عنه يعترف به العقل دون الوهم فان كان الانسان تابعا لوهمه خاف، و ان كان تابعا لعقله لم يخف. و الوهم هو السلطان المطلق و الحاكم في الحيوان و يعرف في زماننا في لسان العوام بالغريزة و الفطرة و قد يطلق عليه العواطف في الانسان و الوهم مع تغليطه و معارضته العقل له شأن كبير و مصالح عظيمة خلق اللّه تعالى لتلك المصالح فلو لا الخوف و الوهم لم يرض الناس بدفن اعزتهم و احبتهم فى التراب و لما تحمل احد مشقه تربية الاولاد و لما دافع الناس عن اعراضهم و اموالهم و اقاربهم و لما خاطروا بانفسهم في سبيل جمع المال و تحصيل الجاه فان ذلك كله ناش من تصور معنى جزئى كالمحبة و العداوة ينبعث منه الغضب و الشهوة لكن الانسان مأمور بتسخير وهمه لعقله و أن يستعمله حيث يجوزه العقل و ساير الحيوان مجبولة بمتابعة اوهامهم و لا عقل يردعهم عما يامر به وهمهم (ش).