شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٥ - «الشرح»
..........
(يا هشام قليل العمل من العالم مقبول مضاعف)
(١) لأنّ العالم بعرف ربّه و ما يليق به و ما لا يليق و ما صنع من إكرامه و إنعامه الّذي يعجز عن ذكره اللّسان و لا يحيط على وصفه البيان و ما شرع من الأوامر و النواهي و الأعمال و العبادات و شرائطها و محسّناتها و ما يتخلّص به العبد عن مخالفته و كيفيّة التخلّص منها، و بالجملة يعرف حقيقة العمل و مصالحه و شرائطه و فوائده و مفاسده و يكون لأنوار تلك المعارف قلبه تقيّا نقيّا زكيّا صافيّا طاهرا مضيئا. و يكون عمله و إن كان قليلا خالصا كاملا مشتملا على جميع الامور المعتبرة في قوامه و كماله و اعتباره و قبوله و تصاعده و تضاعفه فيكون مقبولا مضاعفا لأنّ اللّه سبحانه حكيم كريم لا يردّ عملا صالحا و إن كان قليلا إذ الكثرة ليست من شرائط القبول كيف و قد مدحه في القرآن العزيز في مواضع عديدة و وعد الوفاء به مع الزّيادة كما قال:
«فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ» و قال: «مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثٰالِهٰا»
(و كثير العمل من أهل الهوى و الجهل مردود)
(٢) لأنّ الجاهل لا علم له بشيء من الامور المذكورة بل ينظر إليها بعين عمياء فيخبط في كثير منها خبط عشواء و ذلك لأنّ لصلاح العمل طريقا واحدا لا يعرفه إلّا ذو فطنة ثاقبة و بصيرة كاملة، و لفساده طرق متكثّرة فمن أراد أن يسلك طريق العمل الصالح بلا بصيرة و لا دليل مع مرافقة الجهل و الهوى النفسانيّة و الوساوس الشيطانية ضلّ عنه و سلك أحد هذه الطرق المضلّة، ثمّ كلّما بالغ فيه و أكثر صار أبعد من الحقّ و أقرب من الباطل و أفسد عليه سعيه و عمله فيكون عمله مردودا عند اللّه تعالى إذ لا يصعد إليه إلّا العمل الصالح، و لو فرض أنّ عمله مشتمل على جميع الامور المعتبرة في صلاحه نادرا كان ذلك مثل الكثير لأنّ الاتّفاقيّات من الأعمال غير معتبرة بل لا بدّ من وقوعها على ايقان و تصديق هذا و لبعض الناظرين في هذا الكلام كلام طويل في تفسيره و ظنّي أنّ المقصود منه ليس ما ذكره و هو أعرف بما قال، و حاصله بعد حذف الزّوائد [١] أنّ العلوم الحقيقيّة و المعارف الإلهيّة تطلب لذاتها لا للعمل ثمّ هى
[١] لخصه أيضا صاحب الوافى بلفظ أجمع و اخصر قال: قليل العمل من العالم مقبول لانه يؤثر في صفاء قلبه و ارتفاع الحجاب عنه ما لا يؤثر أضعافه في قلوب اهل الهوى و الجهل لممارسة العلوم و الافكار المجلية لقلبه و المصيقلة له عن الرين و الغين المعدة له لاستفاضة النور عليه بسبب قليل من العمل و قسوة قلوب اهل الهوى و الجهل و غلظ حجبهم و جرمانية نفوسهم و بعدها عن قبول التصفية فلا يؤثر فيها كثير العمل انتهى. و هذا معنى لطيف و تفسير معقول يصح أن يحمل عليه عبارة الحديث و لا موجب لظن الشارح أن مراد الحديث غيره و ما ذكره الشارح من التفسير أيضا لا بأس به مع نقصه و حاصله ان عمل أهل الهوى باطل غير جامع لشرائط الصحة و لذلك يرد و أما عمل أهل العلم فصحيح جامع لشرائط الصحة و لذلك يقبل، و هذا يبين وجه كون عمل العالم مقبولا و لا يبين وجه كونه مضاعفا و الحق أن عملا واحدا جامعا لشرائط الصحة يكون ثوابه للعالم افضل و اكثر من غير العالم و لا بد لتصور معنى التضاعف ان يكون للعمل ثواب غير مضاعف لعامل ما و هذا العامل ليس هو العالم لان ثوابه مضاعف فهو جاهل غير معاند و لا تابع لمعاند (ش).