شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٠٠ - «الشرح»
..........
(و كان اللّه أنسه في الوحشة)
(١) الانس مصدر قولك آنست به انسا من باب حسب أو من باب ضرب و هو ضدّ الوحشة، و المشهور فيه ضمّ الهمزة و سكون النون و قد جاء بكسرة الهمزة قليلا و بفتح الهمزة و النون جميعا، و الحمل على سبيل المبالغة أو الانس بمعنى الأنيس و يؤيّده أنّه نقله صاحب العدّة بلفظ الأنيس و يحتمل أن يقرأ آنسه على وزن الفاعل و أصله آنسا به اضيف إلى الضمير بعد حذف الجار من باب الحذف و الايصال، و صحّ إطلاق الأنس عليه سبحانه كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في دعائه: «اللّهمّ إنّك آنس الآنسين بأوليائك» و الوحشة بمعنى الخلوة أو بمعنى الهمّ و الحزن الحاصلين له بسبب فقد الالفة بينه و بين بني نوعه و عشيرته أو بسبب العربة و الانفراد من جهة العزلة خصوصا في مباديها أو بسبب عدم تعاهده لذلك المكان إذ غير المألوف من المكان يوجب الوحشة كما يحكم به التجربة، و محصّل معناه أنّ المعتزل لو حصلت له وحشة ما لأجل تركه صحبة بني نوعه و عشيرته و سلوكه طريق الحقّ بالمحبّة الرّاسخة و النيّة الصادقة و الرّغبة الكاملة كان اللّه أنيسه الّذي يرفع وحشته و يدفع عنه حزنه و كربته و يصرف وجه قلبه إلى شطر كعبة وجوده و يسرّه بمطالعة أنوار كبريائه و مشاهدة إضافات جوده حتّى يرى كلّ خير حاضرا و كلّ كمال ظاهرا، فهو بكرمه يألف، و بفضله يستزيد، و برحمته يستفيض كلّ ما يريد
(و صاحبه في الوحدة)
(٢) و اللّه سبحانه و إن كان صاحب الكلّ في كلّ الأوقات كما قال اللّه تعالى: «مٰا يَكُونُ مِنْ نَجْوىٰ ثَلٰاثَةٍ إِلّٰا هُوَ رٰابِعُهُمْ وَ لٰا خَمْسَةٍ إِلّٰا هُوَ سٰادِسُهُمْ وَ لٰا أَدْنىٰ مِنْ ذٰلِكَ وَ لٰا أَكْثَرَ إِلّٰا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مٰا كٰانُوا» لكن المقصود هنا إفادة الاختصاص كما يفيده الإضافة و وجه ذلك أنّ الرّجل إذا ترك متاع الدّنيا و أبناءها، و أعرض عن الاستماع به و اقتنائه، و اختار الوحدة و الانفراد، و تمرّن على الطاعة و الانقياد، و أقبل بحسن الطويّة إليها و حبس نفسه بزمام المشيّة عليها و فكّ عنه أغلال اللّذات الدّنيويّة و قطع عنه أنواع العلاقات النفسانيّة و الهيئات البدنيّة بحيث لا يبقى معه شيء إلّا التفكّر في ذاته و صفاته تعالى و ما يوجب قربه يستقبله حينئذ نور الحقّ كمال قال: «من