شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٩٥ - «الشرح»
..........
العزلة بعد الممارسة في مدّة طويلة لمجاهدات شديدة فنقول:
العزلة من الناس أقسام:
الأوّل و هو أدناها أن يكون بينهم و لا يكون معهم بل يكون وحيدا غريبا مستوحشا منهم و لا يجالسهم و إن جالسهم أبغضهم كما روى عن الصادق (عليه السلام) قال: «إذا ابتليت بأهل النصب و مجالستهم فكن كانّك على الرضف [١] حتّى نقوم فان اللّه يمقتهم و يلعنهم فاذا رأيتهم يخوضون في ذكر إمام من الأئمة فقم فانّ سخط اللّه ينزل هناك عليهم [٢]».
الثانى و هو أوسطها أن يسكن في بيته و لا يخرج إليهم أصلا و لا يركن إلى مجالستهم و مقاولتهم كما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال «يا أيّها النّاس طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس فطوبى لمن لزم بيته، و أكل قوته، و اشتغل بطاعة ربّه، و بكى على خطيئة [٣]، و كما روي عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) حين سأله عن عقبة بن عامر الجهني عن طريق النجاة أنّه قال له: «ليسعك بيتك و أمسك عليك دينك و ابك على خطيئتك [٤]».
الثالث أن يخرج إلى الصّحاري و قلل الجبال و شعبها و يعبد اللّه ربّه حتّى يأتيه اليقين كما قيل له (صلى اللّه عليه و آله) «أيّ الناس أفضل: فقال: «رجل في شعب من الشعاب يعبد ربّه و يدع الناس من شرّه» [٥] و قال (عليه السلام): «إنّ اللّه يحبّ العبد التقيّ النقيّ
[١] الرضف: الحجارة المحماة على النار.
[٢] الكافى كتاب الايمان و الكفر باب مجالسة اهل المعاصى تحت رقم ١٣.
[٣] اورده الشريف الرضى فى النهج فى خطبه (عليه السلام) تحت رقم ١٧٤ أوله «انتفعوا ببيان اللّه» و قال بعض الشراح فى هذا الكلام ترغيب فى العزلة عن اثارة الفتن و اجتناب الفساد و ليس ترغيبا فى الكسالة و ترك العامة و شأنهم فقد حث أمير المؤمنين «ع»- فى غير هذا الموضع- على مقاومة المفاسد و الامر بالمعروف و النهى عن المنكر.
[٤] رواه الترمذي ج ٩ ص ٢٤٧ و حسنه، و احمد ج ٤ ص ١٤٨.
[٥] تمام الخبر كما رواه احمد فى مسنده ج ٣ ص ٤٧٧ باسناده عن كرز بن علقمة الخزاعى قال أتى النبي «ص» أعرابى فقال يا رسول اللّه هل لهذا الامر من منتهى، قال «نعم فمن أراد اللّه به خيرا من أعجم أو عرب أدخله عليهم ثم تقع فتن كالظلل يعودون فيها اساود صبا يضرب بعضكم رقاب بعض و افضل الناس يومئذ مؤمن معتزل فى شعب من الشعاب يتقى ربه تعالى و يدع الناس من شره» و رواه البخارى ج ٤ ص ١٨ و ابن ماجه تحت رقم ٣٩٧٨ كما فى المتن.