شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٩٤ - «الشرح»
..........
(يا هشام الصّبر على الوحدة علامة قوّة العقل)
(١) لأنّ الانسان مدني بالطبع و له ميل إلى بني نوعه في التألّف و التودّد و الاستيناس بهم و المشاركة معهم في طلب المعاش و ساير ما يحتاج إليه فإذا ترك ذلك كلّه لعلمه بأنّه يوجب منقصة في دينه و ضعفا في يقينه و آثر الوحدة على الكثرة و رجّح الفرقة على الالفة للتحرّز عن مشاركتهم في أفعالهم الشنيعة و أطوارهم الدّنيّة علم أنّه قويّ في العقل و التدبير في امور الآخرة لأنّ ذلك من آثار العقول الكاملة
(فمن عقل عن اللّه)
(٢) أي فمن عرف اللّه و عرف ذاته و صفاته و ما يجوز له و ما يمتنع عليه و أحكامه و شرائعه و أحوال الآخرة و شدّة فاقة النّاس و كثرة احتياجهم إليه يوم القيمة الّذي يشتغل فيه الأبرار بأنفسهم فضلا عن الأشرار
(اعتزل عن أهل الدّنيا و الرّاغبين فيها)
(٣) و هم الّذين يؤثرون الدّنيا و زهراتها و يبذلون الجهد في اقتنائها و ادّخار ثمراتها كما هو المشاهد من أبناء الزّمان الّذين يجيبون دواعي النفس في منازل الطغيان و يقتفون آثارها و يسمعون وساوس إبليس في مراحل العصيان و يطئون أدبارها كما هو المعلوم من أرباب الفسوق و الكفران، و فيه دلالة على شيئين أحدهما أنّ الاعتزال إنّما للعاقل العالم بمعالم دينه و أمّا الجاهل فاللّائق بحاله أن يخالط الناس و يشتغل بطلب العلم فان أمكنه في بلده و إلّا فليطلبه في بلد آخر كما قيل: «اطلبوا العلم و لو بالصين [١]» الثاني أنّ الاعتزال مطلوب عن أهل الدّنيا و أهل العصيان لا عن أهل الآخرة، فانّهم أولياء اللّه و أنصاره في دينه، و التوصّل بهم يوجب الاستنارة بنورهم و الاستضاءة بضوئهم
(و رغب فيما عند اللّه)
(٤) من الخيرات و الأنوار الإلهيّة و الاشراقات العقليّة و الابتهاجات الذوقيّة و الترقيات الروحيّة، إلى غير ذلك ممّا لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، و لا بأس أن نشير إلى العزلة و أقسامها و شيء من فوائدها و منافعها إذ ذكر جميع فوائدها متعذّر لأنّها ذوقيّة حاصلة لأرباب
[١] ظاهر كلام المؤلف أنه من كلام غير المعصوم لكن رواه العقيلى فى الضعفاء و ابن عدى فى الكامل و البيهقى فى الشعب من حديث عائشة، و ابن عبد البر و فى العلم من حديث أنس عن النبي (صلى اللّه عليه و آله).