شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٩١ - «الشرح»
..........
و ما فهموه ليس من الحكمة في شيء
(و أطفأ نور عبرته بشهوات نفسه)
(١) العبرة هي ملاحظة أحوال الماضين و الاتّعاظ بما كانوا فيها من نعيم الدنيا و لذّاتها و المباهات بكثرة العشيرة و الاولاد و الافتخار بكثرة أسبابها و مقتضياتها، ثمّ مفارقتهم لذلك كلّه بالموت الّذي هو هادم اللّذات و كاسر الفقرات و بقاء الحسرة و الندامة لهم حجبا حائلة بينهم و بين الرّحمة الالهية، و كلّ من اتّصف بالعبرة و مارسها حتّى صارت ملكة يحصل في قلبه نور يهديه إلى الآخرة و ما يوجب تعميرها من الأعمال الصالحة و الصفات الفاضلة و من تبع النفس الأمارة بالسّوء و شهواتها و رتع في مرعى ضلالتها و لذاتها حصل في قلبه ظلمة شديدة و غشاوة عظيمة مانعة عن دخول نور الاعتبار و نور الاستبصار، و من سلّط هذه الخصال الثلاث الّتي بناء الهوى و الجهل عليها أعنى طول الأمل و فضول الكلام و الشهوات النفسانيّة على الخصال الثلاث التي بناء العقل عليها أعنى نور التفكّر و طرائف الحكمة و نور العبرة
(فكأنّما أعان هواه)
(٢) و هو ميل النفس الأمّارة بالسوء إلى ما يقتضي طباعها من اللّذات الدّنيوية الفانية إلى حدّ الخروج من حدود الشريعة
(على هدم عقله)
(٣) و هو نور يسلك به الانسان طريق الجنان و عبادة الرحمن فيصل إلى السّعادة التامّة الكبرى و هي مشاهدة الحضرة الرّبوبيّة و مجاورة الملاء الأعلى في مقعد صدق عند مليك مقتدر، و ذلك لظهور أن اتّباع النفس الأمّارة بالسوء لميولها الطبيعيّة و سيرها في سبيل هواها و اشتغالها باستيفاء مقتضاها أشدّ صدمة على العقل و أقوى ظلمة في طمس نوره، و أكمل جاذب له عن طريق الحقّ، و أظهر سادّ له عن قصد الكمالات و الترقّي في ملكوت السّماوات كما نقل عن سيّد المرسلين (صلى اللّه عليه و آله) «ثلاث مهلكات شحّ مطاع و هوى متّبع و إعجاب المرء بنفسه [١]»
(و من أفسد عليه عقله أفسد عليه دينه و دنياه)
(٤) أمّا إفساد الدّين فلانّ استقامته إنّما هي بادراك أحوال المبدأ و المعاد و التّصديق بها و العمل بما ينبغي أن يعمل و الانزجار عمّا ينبغي أن يترك، و المدرك لهذه الامور و الدّليل عليها و الحاكم بحقيقتها إنّما هو العقل فاذا فسد
[١] رواه الصدوق فى الخصال أبواب الثلاثة.