شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٤٦ - «الشرح»
..........
عن أذهانهم إذ المثل يبرز المعقول بصورة المحسوس و ذلك أسهل في التفهيم و أجدر في التعليم لمن ألف طبعه بالمحسوسات و اشمأز عقله عن المعقولات و لذلك قال سيد المرسلين «نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم» [١]
(وَ مٰا يَعْقِلُهٰا إِلَّا الْعٰالِمُونَ)
(١) لأنّهم يعرفون بنور بصيرتهم و ضياء سريرتهم حسن مبانيها و لطف معانيها و كيفيّة ارتباطها بالمقصود و طريق دلالتها على المطلوب و ينتقلون من ظاهرها إلى باطنها و من محسوسها إلى معقولها بل يجدون عالم المحسوس كلّه مثالا لعالم المعقول و يعلمون أنّ كلّ صورة محسوسة في هذا العالم لها صورة حقيقيّة و حقيقة عقليّة فى العالم المعقول يرشد إلى ذلك ما نقل عن أبي جعفر (عليه السلام) حين سأله النصراني فقال له: أخبرنى عن أهل الجنّة كيف صاروا يأكلون و لا يتغوطون أعطني مثلهم في الدّنيا فقال (عليه السلام): «هذا الجنين في بطن أمّه يأكل ممّا تأكل أمّه و لا يتغوّط» [٢] و ما نقل عن بعض أئمّتنا (عليهم السلام) حين سئل عن الأجساد المعادة يوم القيمة هل هي عين الأوّل أو غيره قال: لا عينه و لا غيره، فقيل: أخبرني عن مثله في الدّنيا فقال مثل اللّبنة المضروبة بقالب مخصوصة فإنّها إذا كسرت و ضربت تارة اخرى بذلك القالب ليست عين الاولى و لا غيرها» [٣] و بالجملة ما من صورة في الدّنيا إلّا و له حقيقة فى عالم العقول و الآخرة [٤] و ما من معنى حقيقيّ فيهما
[١] الكافى كتاب العقل و الجهل- ح ١٥.
[٢] رواه الراوندى فى الخرائج و الجرائح ص ١٩٧ فى حديث طويل.
[٣] راجع بحار الانوار المجلد الثالث باب اثبات الحشر و كيفيته ص ١٩٠ الى ٢٠٠.
[٤] قوله «فى عالم العقول و الآخرة» ما فى عالم العقول و عالم الآخرة حقيقة و ما فى الدنيا صورة لها و تلك الحكم و المصالح و الجمال التى نراها فى الموجودات الدنيوية ليست الا ظلا لوجود حقائقها فى ذلك العالم الا ترى أن الخاتم اذا كانت كتابته حسنة جيدة كان النقش الّذي يرتسم به على القرطاس خطأ حسنا و ظل الجسم مثله فى الشكل كذلك كل موجود فى الدنيا كالنقش فى القرطاس من خاتم روحانى و لا يعرف ذلك الا الراسخون فى العلم و سائر الناس يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون و أين الطبيعة من نقش ألوان ريش الطاوس لو لا أن ذلك عكس لعاكس جميل روحانى بدا صورته فيه كنقش الخاتم و لذلك نقول لا قبيح و لا شر فى الوجود كما مر، و يتبادر الى الذهن من هذه العبارة ان عالم العقول و عالم الآخرة واحد فى مقابل الدنيا و أن حقيقة واحدة تكون فى الدنيا مثالا و صورة، و فى الآخرة او عالم العقول معنى حقيقيا و ربما يتوهم الجاهل من امثال هذه العبارات أن قائلها معتقد للمعاد الروحانى فقط دون الجسمانى اذ جعل عالم الآخرة عالما عقليا و أن عالم الاجسام عنده هو الدنيا دون الآخرة و ليس مرادهم نفى المعاد الجسمانى قطعا بل الشارح أترابه به قائلون بتجسم الاعمال و المعانى المجردة و الاعتقادات فى الآخرة كما مر التصريح به منه و سيصرح به أيضا و تعبيراتهم هنا مبنية على ذلك فأجسام عالم الآخرة باعتبار ان منشأ وجودها هو الاعمال الصالحة و الملكات الحسنة أمر حقيقي معنوى و باعتبار أنفسها أجسام اخروية أيضا و الاجسام الدنيوية تحفظ حقيقتها و ماهيتها فى الآخرة و تبطل عنها صورتها و مثالها الدنيوى كما مثل باللبنة المضروبة بقالب فانها اذا كسرت بطلت عنها صورتها الاولى و يبقى حقيقتها و هى الطين فيضرب بصورة اخرى غير الصورة الدنيوية (ش).