شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢٧ - «الشرح»
..........
كلّ واحد منهما في وقت و احتجابه في وقت آخر لينتفع الناس بما يدلّ كلّ واحد منهما على حدته و كما جعلت الثريّا و أشباهها تظهر حينا و تحجب حينا لضرب من المصلحة، كذلك جعلت بنات النعش ظاهرة لا يغيب لضرب آخر من المصلحة فإنّها بمنزلة الأعلام الّتي يهتدي بها النّاس في البرّ و البحر للطرق المجهولة و ذلك أنّها لا تغيب أبدا فهم ينظرون إليها متى أرادوا أن يهتدوا بها إلى حيث توجّهوا و صار الأمران جميعا على اختلافهما موجّهين نحو الارب و المصلحة و فيهما مآرب اخرى مع ما في تردّدها في كبد السماء مقبلة و مدبرة و مشرّقة و مغربة من العبرة لاولى الألباب، و بالجملة خلق اللّه جلّ شأنه الانسان لمعرفته و عبادته و خلق لهم اللّيل و النهار و الشمس و القمر و النجوم كلّها بل هذا العالم كلّه، و قد قال إمامنا و مولانا الصادق جعفر بن محمّد (عليهم السلام) في كتاب التوحيد للمفضل: أوّل العبر و الأدلة على الباري جلّ قدسه تهيئة هذا العالم و تأليف أجزائها و نظمها على ما هي عليه، فانّك إذا تأمّلته بفكرك و ميّزته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده، فالسماء مرفوعة كالسقف و الأرض ممدودة كالبساط و النجوم منضودة كالمصابيح و الجواهر مخزونة كالذّخائر و كلّ شيء فيها لشأنه معدّ و الانسان كالمملّك ذلك البيت، و المحوّل فيه و ضروب النبات مهيّأة لمآربه و صنوف الحيوان مصروفة في مصالحه و منافعه ففي هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتقدير و حكمة و نظام و ملائمة، و أنّ الخالق له واحد و هو الّذي ألفه و نظمه بعضا إلى بعض جلّ قدسه و تعالى جدّه و كرم وجهه و لا إله غيره تعالى عمّا يقول الجاحدون و جلّ و عظم عمّا ينتحله الملحدون لقصور أفهامهم عن تأمّل الصواب و الحكمة فيما ذرأه الباري فخرجوا بقصر علومهم إلى الجحود و بضعف بصائرهم إلى التكذيب و العنود حتّى أنكروا خلق الأشياء و ادّعوا أنّ كونها بالاهمال لا صنعة فيها و لا تقدير و لا حكمة من مدبّر و لا صانع تعالى اللّه عمّا يصفون و قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ*
(إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)*
(١) تأمّل أيّها اللّبيب كيف جعل اللّه سبحانه هذه الامور أدلّة على معرفته و دلّ العقلاء الرّاسخين في