القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٢٦٠ - خاتمة فى تعارض الظن الاصولى مع الفروعى
من وجه هو الرّجوع الى المرجحات الخارجيّة و المرجح للايات الدالة على حرمة العمل بالمظنة موجود و هو اعتضاد بعضها مع بعض و كثرتها و الاصل فان قلت الشهرة مرجحة لاية النباء قلت الشهرة غير معتبرة عند من عمل باخبار الاحاد من باب التعبّد و الظنّ الحاصل منه غير معتبر فت و لكن الانصاف ان هذه الاية مقدّمة على الايات الدالة على الحرمة لا لما ذكرنا من ان الظ منها ان العمل بالظن حرام ما لم يصل على اعتبارها دليل فلا تعارض بل لما مرّ فى مبحث تعارض العامّ و الخاص من ان العامين من وجه قد يكون حكمهما حكم العامين مط اذا كان احدهما اكثر افرادا بحيث يكون العام الاخير بالنّسبة اليه كالخاص و ما نحن فيه من هذا القبيل و كذا حكمهما حكم العامين مط اذا كان التخصيص فى احدهما تخصيصا لاكثر افراده دون التخصيص فى الاخر و ان كان العامان متساويين فى الافراد و قد يدعى ان ما نحن فيه من هذا القبيل لان اكثر اخبار الاحاد لا يكون مفيدا للعلم و فيه نظر لان اكثر اخبار العدول مفيدا للعلم نعم هو بالنّسبة الى الاخبار الموصلة الينا كك و يرد على الاستدلال بالاية الكريمة ايرادات اخر لم نذكرها لوضوح بعض و عدم الاعتناء بشان بعض اخر و الثانى قوله تع فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ للاية الكريمة معنيان احدهما انه اوجب تع على كل فرقة ان يخرج منهم طايفة ليتفقه هذه الطايفة النافرة و ينذر هذه الطايفة قومهم اى الباقين اذا رجع هذه الطايفة النافرة اليهم لعل الباقين المنذرين يحذرون و ثانيهما انه اوجب على كل فرقة ان يخرج منهم طايفة الى الجهاد و يتفقه الباقون و ينذروا قومهم اى النافرين الى الجهاد اذا رجعوا اليهم اى الى الباقين المتفقهين لعل هذه الطايفة النافرة الى الجهاد يحذرون فعلى المعنى الأول يستفاد من الاية امور ثلثة وجوب الاجتهاد و كونه كفائيا و وجوب قبول خبر الواحد و على المعنى الثانى يستفاد منها وجوب الجهاد و كونه كفائيا زايدا على الثلثة و المعنى الاول هو الظ بملاحظة نفس الاية و المعنى الثانى هو الظ بملاحظة الاية التى قبلها و السّبب فى ورودها ح انه تع لما امر بالجهاد و حذر على تركه لان المؤمنين فى بدو الاسلام لا يقدمون على الجهاد فاذا ورد هذا الامر و التحذير و التحديد نفر المؤمنون كافة الى الجهاد و لم يتفقهوا فى امر دينهم و لم ياخذوا مسائلهم وردت هذه الاية الشريفة و على التقديرين الاستدلال بها ممكن و بيان الاستدلال موقوف على بيان امور خمسة الاول فى بيان معنى الفقه الماخوذ منه التفقه اعلم ان الفقه فى اللغة الفهم و الفقه فى الاية الشّريفة محمول عليه لا على معناه الاصطلاحى للاصل و لا يكون هذا من قبيل الالفاظ المتنازع فى ثبوت الحقيقة الشّرعية فيها حتى يكون حمله على المعنى الاصطلاحى ارجح او محلا للشك لعدم ثبوت الحقيقة المتشرعة مع ان القراين على حمله على هذا المعنى موجودة منها موافقة العرف العام لللغة و منها استعماله فى هذا المعنى فى الكتاب و منها استعماله فيه فى السّنة و زمان الشارع كثيرا و بالجملة لا اشكال فى ذلك الثانى فى بيان معنى الطايفة و الفرقة لا يخفى ان المراد بالفرقة فى الاية الشريفة هو جماعة كثيرة و ان اطلق بحسب معناه اللغوى على الثلثة بقرينة اخراج الطايفة فان الطايفة لا تطلق على الواحد و الاثنين بلا تامل و لا ريب بل الطايفة و الفرقة و القبيلة و الجماعة بمعنى واحد فاذا اخرج بعضها عن بعض يكشف عن ان المراد بالاول هو الجماعة الكثيرة و سيظهر عليك ان هذا لا يضرّ بالاستدلال و الثالث فى بيان معنى الانذار لا يخفى ان الانذار كما عن اهل اللغة هو الابلاغ المخوف لا مطلق الابلاغ مط و لا التخويف مط فيشمل الواجب و الحرام لان فيهما التخويف و تتميم الاستدلال ح يكون بالاجماع المركب و الرابع فى بيان الضّمير الكاين فى قوله تع لينذروا يحتمل ان يكون الضّمير فيه للطايفة فيكون المعنى لينذر كل واحد من الطوايف قومهم و يحتمل ان يكون المرجع جميع الطوايف النافرين فيكون المعنى لينذر جميع الطوايف قومهم و القوم اسم جمع مضاف يفيد العموم فيكون المعنى جميع الطوايف النافرين جميع قومهم و على التقديرين الاستدلال به تمام اما على الاول فظ لان الطايفة قد يكون جماعة كثيرة و يكون بحدّ التواتر و قد يكون ثلثة و ما فوقها و على التقديرين الاستدلال به تمام اما على الثانى فلعدم كون
المخبرين بحدّ التواتر و لو قلنا بلزوم انذار جميع الطايفة كل واحد من القوم و اما على الاول فلعدم لزوم انذار جميع الطايفة كل واحد من القوم لانه لا ريب فى صدق انذار جميع الطايفة جميع القوم اذا انذر كل واحد من الطايفة كل واحد من القوم و اما على الثانى فلانه يصدق انه انذر جميع الطوايف جميع قومهم فى صورة انذار كلّ طايفة قومها و لو بانذار كل واحد منها كل واحد من القوم فيشمل انذارهم على سبيل الاحاد ايض و الظ من الاحتمالين هو هذا و لا يضرّ بالاستدلال ايض كما عرفت و الخامس فى بيان معنى كلمة لعل لا يخفى عليك ان كلمة لعلّ معناها طلب الشئ مع احتمال وقوعه و يستعمل كثيرا فى مجرّد احتمال الوقوع من دون طلب كما فى كلمات العلماء لعل مرادهم هذا و قد يستعمل فيما اذا كان الشئ مطلوبا حتما مع القطع بوقوعه كما فى قول السّيد بعبده اذهب الى السوق عند فلان لعله اعطاك الشئ الفلانى مع القطع باعطائه ذلك و الاولان على اللّه مح فتعيّن الثالث و الاستدلال على فرضه تمام لانه اذا كان الحذر منهم مطلوبا حتميّا فيجب عليهم القول و العمل بمقتضاه الذين هما مسّببان للحذر و لا احتياج الى حمل كلمة لعل على الايجاب الذى هو بعيد عن معناه الحقيقى قطعا اذا غلب استعمال كلمة لعل فى الامور القهريّة لحصول الذى لا معنى للطلب فيها بل لا معنى لايجاب الحذر لان الحذر و الخوف امر قهرىّ مترتّب على الانذار فلا معنى لايجابه فظهر من جميع ما ذكرنا ان الاية الشريفة دلّت على ان خبر الواحد حجة و يرد على الاستدلال بهذه الاية الاعتراض من وجوه الاول ان الظ من الانذار هو الابلاغ المخوف و لا شكّ فى ان الاخبار بان هذا واجب عليك او حرام لا يصدق عليه انه ابلاغ مخوف اذ لا يتصوّر حين قوله انه واجب او حرام عذاب و عقاب فالمراد بالانذار هو التخويف و التحذير على ترك المامور به و فعل المنهى عنه و بعبارة اخصر ان الانذار عبارة عن الايعاد على ترك الواجب و فعل المحرّم الذى هو موجب للخوف و هو وظيفة الواعظين سلّمنا صدق الانذار على الاخبار بالوجوب و الحرمة و لكن الانذار بالنّسبة اليه مشكّك مبيّن العدم سلّمنا و لكنه مضرّ اجمالى و كذا نجيب عن الايراد بانه لا شك فى صدق الانذار فيما اذا اخبر بالوجوب و اوعد على تركه او اخبر بالحرمة و اوعد على فعله فانه لا شك ان الانذار مشكّك مضرّ بالنسبة الى هذا القسم ايض فتدبّر و الثانى ان ابقاء الاية على ظاهرها مخالف للاجماع لان مقتضاه وجوب قبول المجتهد فتوى المنذر من الطايفة و العمل بمقتضاه و كذا مقتضاه وجوب قبول المقلّدين الاخبار و العمل بمقتضاها و هو ايض مخالف لاتفاق المجتهدين و لا بد من التصرف فى الاية و الاحتمالات المتصورة فيه بعد رفع احتمال البقاء على حاله و عدم ارتكاب خلاف الظ فيه ثلثة الاوّل