القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٢٩٤ - اما المقام الثّالث وجود المنكر
امّا المقام الثّانى [العقل مدرك للثواب و العقاب]
فالحق فيه ايض ان العقل مدرك للثواب و العقاب وفاقا لاصحابنا الا شاذ منهم و هم طايفة من الاخباريّين (رضوان اللّه عليهم) و الاكثر المعتزلة كما هو المنقول و لنا على ما ادعيناه وجوه الاول الضرورة و البداهة فان ادراك الثواب على بعض الافعال و العقاب على بعضها مما لا يقبل الانكار فانظر الى الامثلة المتقدمة فى المقام الاول فانه لا شك و لا ريب كما ان العقل يدرك ان ذلك الظالم يستحق المذمّة عند كل عاقل حتى الحكيم على الاطلاق كك يدرك انه يستحق المجازات منه تع بل يحكم بان عدم الاستحقاق عنده تع مناف لعدله تع شانه عن ذلك علوا كبيرا و كذا الكلام فى الودعى و بالجملة هذه المرحلة كالمرحلة الاولى فى كونها ضروريا الثانى انه اذا ثبت انّ العقل مدرك للمحبوبيّة و المبغوضيّة عند الحكيم على الاطلاق يثبت انه مدرك للثواب و العقاب ايض اذ استحقاقهما مانع للاوّلين لا لورود الخطاب اللفظى كما توهمه بعض و ذلك معلوم ايض ببديهيّة عقولنا و ببناء العقلاء الا ترى انه لو قتل العبد ابن سيّده يستحق العقاب و ان لم يصل منه اليه خطاب بل لم يخطر ببال السّيد من هذا بجهة شئ و لو عاقبه السيّد لم يكن محلّا لذمّة العقلاء قطعا و ليس للعبد الاعتذار بانك لم تنهى عن ذلك جزما و المنكر مكابر جدّا و الثالث انه لو لم يكن العقل مدركا لهما لما كان معرفة اللّه واجبة و التالى باطل فالمقدّم مثله اما بطلان التالى فلوجهين الاول الاتفاق من الطرفين على انّ معرفته تع واجبة و الثانى انه لو لم يجب المعرفة لكان خلق الخلق عبثا و لما كان فايدته المعرفة و العبادة و التالى باطل للادلة الشّرعية مثل الاية الشريفة وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فالمقدم مثله اما الملازمة فلانه اذا لم يكن المعرفة واجبة شرعية يستحقّ على فعله الثواب و على تركه العقاب لم يقدم على تحصيلها الّا الاوحدى من الناس فيكون الفايدة المذكورة اعنى المعرفة و العبادة منتفية بالنسبة الى اغلب الناس ولى تامّل فت اما بيان الملازمة الاولى فلان الدّليل على وجوب المعرفة ح ليس الا الشّرع و هو فرع وجوب المتابعة و الاطاعة اللّتين هما فرع المعرفة فيلزم الدور و هو باطل فتعيّن ان يكون عقليّا و هو المطلوب و هذا الدليل بهذا التقرير يجرى فى معرفة الرسول و النظر فى معجزته و وجوب النظر فى معرفة اللّه فتع ثم اعلم ان الوجه الثالث و نظيره فى ردّ الاشاعرة فى غاية المثانة و اما فى ردّ اصحابنا الاخباريّين فلا يجدى نفعا بعد فرض قولهم بادراك العقل لهما فى اصول الدّين كما يقول به الفاضل التونى فى الوافية و لكن هنا وجه شاف فى ردّهم ايض مضافا الى الوجهين الاولين و هو ان قبح الظلم و حسن ردّ الوديعة و مبغوضية الاول و محبوبيّة الثانى مما يدرك ببديهة العقول و حسن معرفة الرّسول مثلا و قبح عبادة الاوثان مما يدرك بالنّظر فبعد القول بادراك الوجوب الشرعى و الحرمة الشّرعية و الثواب و العقاب فى الاخيرين يلزم القول بادراكه لهما فى الاولين بطريق اولى بعد ملاحظة ما ثبت ان الاحكام تابعة للمصالح و المفاسد الكائنة و انكار الاولوية ممّا لا وجه له لا يق ان الاولوية ممنوعة لانهم يقولون بادراكه فى الاول بدلالة الاخبار و هى فى الثانى غير موجودة لانا نقول هذا كلام فاسد لا ينبغى صدوره عن مثلهم اذ الاخبار كاشف عن اعتبار العقل للوثنى لا سبب لاعتباره اذ هى بالنسبة اليهم لاحقة فلا يصلح دليلا لهم سلمنا و لكن ذلك دليل الفرق فى الاعتبار لا الادراك و الفرق بينهما ظاهر
اما المقام الثّالث [وجود المنكر]
فالمنكر فيه ايض موجود و هو بعض المحققين من المتاخّرين و لتطابق الشرع للعقل و بعبارة اخرى لقولهم كلما حكم به العقل حكم به الشرع احتمالات الاول ان يكون المراد به كلما حكم به العقل حكم به الشرع اى صدر منه الحكم و وصل الى الخزنة و من الخزنة الى العباد فى الجملة و الثانى ان يكون المراد ان كلما حكم به العقل قد صدر من الشرع بالنسبة اليه حكم و هو مخزون عند اهله و الثالث ان يكون المراد به ان كلما حكم به العقل قد صدر من الشرع بالنسبة اليه خطاب فى نفس الامر مطابقا له و ان لم يصل الى الحزنة ايض و الرابع ان يكون المراد به ان الشرع مطابق للعقل بمعنى انه لو سئل منه عما حكم به العقل لحكم به بمثل حكمه لا بمعنى انّه صدر منه خطاب على وفقه و الظاهر ان المراد بالتطابق انما هو الاخير اما انتفاء الاولين فظاهر فانه لا دليل على التطابق بهذين المعنيين و لا يكون مراد المجتهدين بقولهم كلما حكم به العقل حكم به الشّرع احد هذين المعنيين قطعا و لا يقول به احد منهم ايض و كذا انتفاء الثالث ظاهر فانه لا دليل على التطابق بهذا المعنى و لا يحكم العقل بشئ زايدا على المعنى الرابع و الحاصل انه لا دليل على القدر الزّايد على التطابق بالمعنى الرابع اذ القدر الثابت بقاعدة الاستلزام ليس الا هذا و امّا الزايد على ذلك فلا فان مجرد كون الشئ حسنا بحيث يحكم العقل بعدم جواز الترك و باستحقاق العقاب عليه و الثواب على الفعل عند الحكيم على الاطلاق و كون الشئ قبيحا بحيث يحكم العقل بعدم جواز الفعل و باستحقاق العقاب عليه و الثواب على التّرك انكان عن كف لا يستلزم صدور خطاب من الشارع بذلك و لو كان هو مجرّد تعلّق الارادة الحتمية و ان كان مبنيه العقل اذ لو كان مجرد ذلك [١] مستلزما لذلك (اى لصدور الخطاب و لو كان هو مجرّد تعلق الارادة منه دام عزه) لكان مستلزما له فى غير الحكيم على الاطلاق ايض اذ حالنا فى ذلك حال العبد بالنسبة الى مولاه فكما ان عقل العبد يحكم بعدم رضا السيّد بقتل الابن و انه يستحق بذلك العقاب فكذا عقلنا يحكم بقبح الظلم و انه نستحق بارتكابه العقاب و لا ريب انّ عقل العبد لا يحكم بان السّيد صدر منه الخطاب و اراد منه ذلك و لو كان السّفير فى ذلك هو عقل العبد و بالجملة العقل لا يحكم بتعلق الارادة بمجرّد ذلك اذ معلوم ان العبد لا يحكم عقله بتعلق ارادة السيّد بذلك و لا بقطع بذلك بل ربّما يحصل القطع له بعدمها لعلمه بعدم التفاته بذلك و لو كان مجرد المحبوبيّة و المبغوضيّة و استحقاق العقاب على الفعل او الترك مستلزما لصدور الخطاب و لو بمعنى تعلق الارادة لكان العبد قاطعا بتعلق ارادة السيّد فظهر انّ مجرّد ذلك لا يستلزم ذلك كيف و الحال ان العقل لا يحكم على ازيد من ذلك و هم يقولون ان الشرع مطابق للعقل بمعنى انه كلما قال به العقل يقول به الشرع و انت خبير بان العقل لم يقل بتعلق الارادة من الشارع بذلك بل قال بالمحبوبيّة و المبغوضيّة و باستحقاق الثواب و العقاب على الفعل و الترك عند الشارع و لا ريب ان الشّارع يقول بذلك ايض فتدبّر اذا عرفت ذلك فاعلم ان لنا على التطابق بهذا المعنى وجوه و بعبارة اخرى لنا على اعتبار ادراك العقل الثواب و العقاب و كون ما حكم به حجة شرعيّة وجوه الاول ان المدرك للثواب و العقاب عند الحكيم على الاطلاق على سبيل القطع و الجزم اما يكون قاطعا باعتباره او يكون قاطعا بعدم اعتباره او يكون شاكا فى الاعتبار و العدم و لا سبيل الى الاخيرين لان المفروض انه قاطع بكون الظالم مستحقّا للعقاب عند الحكيم على الاطلاق فكيف يمكن له القطع بعدم اعتباره او الشك فيه اذ معنى القطع بعدم الاعتبار هو القطع بعدم الاستحقاق و المفروض انه قاطع بذلك و بالجملة نفس العلم دليل على اعتباره و لا يحتاج الى برهان و الا لدار او تسلسل لا يق لا منافات بين القطع بحكم اللّه الواقعى الاوّل و بين القطع بعدم كونه حكما لنا و قد
[١] اى كون الشى حسنا او قبيحا محكومان بالمجازات من السيّد منه (دام ظله)