القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٢٩٧ - اما المقام الثّالث وجود المنكر
قلت فى المسئلة اقوال ثالثها التفرقة بين النادر و الانذر و هذا هو الحق لما بيناه فى مقامه و منها ما حكى عن الصّدوق فى باب الذباب عن ابان قال قلت لابيعبد اللّه (ع) ما تقول فى رجل قطع اصبعا من اصابع المراة كم فيها قال عشرة من الابل قلت قطع اثنين قال عشرون قلت قطع ثلثا قال ثلثون قلت قطع اربعا قال عشرون قلت سبحان اللّه يقطع ثلثا فيكون عليه ثلثون و يقطع اربعا فعليه عشرون ان هذا كان يبلغنا و نحن فى العراق فنتبرء ممن قال و نقول ان الذى قاله شيطان فقال مهلا يا ابان ان هذا حكم رسول اللّه (ص) ان المراة تعاقل الرّجل ثلث الرجل فاذا بلغت الثلث رجعت المراة الى النصف يا ابان انك اخذتنى بالقياس و السنة اذا قيست محق الدّين ربما يق ان العلة المذكورة فى الرواية لما لم يكن [١] علة فى الحقيقة فلا بد ان يكون مراد المعصوم بها اما بيان القاعدة الكلية و ان الحكم هذا فى جميع الموارد و ليس مختصا بهذا المورد او بيان علته نكون علّته فى نظر المخاطب فانهم (ع) تكلموا بما اقتضاه الحال و ان لم يكن علة واقعية و انت خبير بانه لا يحتاج فى تصحيح العلة الى ما ذكره هذا القائل و ليس المعصوم (ع) فى بيان العلة الواقعية للحكم بل فى بيان علّة حكمه (ع) بذلك و لذا قال (ع) ان هذا حكم رسول اللّه (ص) و بين مطابقته ما قاله (ع) لحكمه (ص) رفعا لتحاشى الا بان و كيف ما كان فلنبين وجه الاستدلال و هو انه انكر المعصوم (ع) على الحكم بدون مستند شرعى و ان كان عن قطع فانه لا شك فى حصول القطع لكل احد بان دية اربعة اصابع لم يكن اقلا من الثلثين بعد ملاحظة حكمه (ع) بان دية ثلثة اصابع ثلثون فانكار المعصوم (ع) فى العمل بالقطع الحاصل بواسطة حكم العقل فى هذا المقام الذى يكون العقل حاكما و جازما من دون نظر و النفس مطمئنا من دون تزلزل و جعله من باب القياس المحرّم الموجب لمحو الشريعة يكشف عن عدم اعتبار حكم العقل فاى مقام يكون العقل فيه قاطعا بالحكم فهو بدوىّ فبعد ملاحظة هذه الرواية ارتفع و بما ذكرنا من ان المقام من المقامات التى يكون عقل كل احد حاكما بالحكم المذكور على سبيل القطع من دون تامل يدفع ما يترءاى ان يق ان حكم المعصوم (ع) و منعه من العمل بالاولوية انما هو لاجل كونها ظنية و لا يق ايض ان انكار المعصوم (ع) لعل ان يكون لاجل كون خصوص الابان ظانا بواسطة بلوغ الخبر اليه ان الحكم هذا و ردّه الخبر بواسطة الاولوية الظنية لانا نقول هذا لا يناسب قول سبحان اللّه و معلوم ان الظن لا يوجب فع اليد عن الخبر المروىّ عن المعصوم (ع) و حسبان قائله شيطانا فتدبر و لا يق ايض ان انكار المعصوم انما هو فى غير ما نحن فيه لان كلامنا انما هو فيما يستقل بحكمه العقل و انكاره (ع) فى العقل التبعى و ان كان المستفاد مستقلا اذ قد عرفت ان حكم العقل على اقسام ثلثة لانا نقول ان الكل متفقون على انه اذا لم يكن العقل معتبرا فى التبعيات لا يكون معتبرا فى المستقلات فان المثبت فى الثانى مثبت فى الاول قطعا و المنكر فى الثانى منكر فى الاول ظاهرا مع ان التفرقة بين المقامين تفرقة بين امرين لا فارق لهما و بطلانها ظاهر و لا يق ايض ان انكار المعصوم (ع) من العمل بهذه الاولوية انما هو لكونها (اى مستقلات منه) خطاء فى الواقع فردع الابان من العمل بهذه الاولوية بعد ذلك لا انه (ع) نهاه من العمل بها فى زمان عدم ظهور خطاء العقل و كونه قاطعا بواسطة الاولوية و بعبارة اخصر كشف المعصوم (ع) عن خطاء الابان و معلوم ان بعد ظهور الخطاء لا يجوز العمل به و لذا نهاه (ع) عنه و يكون الرواية ح من قبيل تحقق الاجماع على خلاف ما يستقل به العقل فكما ان ذلك لا يوجب عدم حجية العقل فكذا الرواية لانا نقول هذا لا يناسب قوله (ع) السنة اذا قيست محق الدّين فانه فى المعنى بيان علّة من منعه (ع) اياه من العمل بما فهمه و بالجملة الظاهر من كلامه (ع) صدرا و ذيلا انه فى مقام الانكار على الابان من الحكم بشئ من دون مستند من الكتاب و السنة لا فى بيان انك اخطات فى هذا التوهم و لا يق ايض ان القطع قد يكون فى الصغرى و قد يكون فى الكبرى و الاول
مثل الحكم بان هذا الفعل ظلم و الثانى مثل الحكم بان كل ظلم قبيح و الحكم فى الثانى تنجيزى لا يمكن تخلفة و لا يمكن صدور حكم بخلافه و اما الاول فيقبل التخلف و يمكن صدور حكم بخلافه لان معنى الظلم هو التعدى من غير وجه و معلوم ان المعصوم (ع) اذا امر بفعل فيكشف عن عدم كونه ظلما و ما نحن فيه ايض القطع فيه فى مقامين الاول فى ان علّة الحكم موجودة فى الفرع بحيث يساوى الاصل او اقوى منه فى ذلك و الثانى ان كلّما كان مساويا للشئ فى تحقق العلّة فيه او اقوى منه فى ذلك يكون الحكم الثابت فى ذلك الشئ لاجل تلك العلة ثابتا فيه قطعا على سبيل التنجيز و لا يمكن التخلف فانكار المعصوم (ع) على الابان انّما هو فى المقام الاول فانه منعه من العمل بهذا القطع و لا يمنعه من العمل به فى المقام الثانى فلا تدل الرواية على عدم حجيّة حكم العقل مط بل انما منع من اعتباره فى الصّغرى لانا نقول هذا فاسدا اما او لا فلان التفرقة بين المقامين مع عدم التفرقة فى الواقع كلام فاسد و ما ذكرته من التنجيزية و التعليقيه كلام لا وجه له لان الكلام فى اعتبار حكم العقل ان تنجيزيّا فتنجيزيّا و ان تعليقيّا فتعليقيّا مع ان حكم العقل فى الصّغرى قد يكون تنجيزيا ايض و لا وجه لمنعه و ثانيا ان منع اعتبار حكم العقل فى الصغرى يوجب عدم اعتباره راسا و انتفاء فايدة اعتباره فى الكبرى اذ اجراء حكم الكبرى على الجزئيات موقوف على اندراجها فى موضوع الحكم و لا دليل على اندراجها فيه الا العقل و المفروض ان العقل فيه غير معتبر و لا يق ايض ان انكاره لعله (ع) ان يكون لاجل تعجب الابان و انكاره بعد حكمه (ع) كما يدل عليه قوله (ع) سبحان الله يقطع ثلثا فيكون عليه ثلثون اه و يدلّ عليه قوله (ع) هذا حكم رسول اللّه (ص) و قوله انك اخذتنى بالقياس فانه ظاهر فى انكاره بعد حكمه (ع) فان اخذه بالقياس لم يكن فى العمل بقطعه فى السّابق و بالجملة الظاهر من الرواية ان انكاره (ع) و نهيه انما هو لاجل تعجب الابان و انكاره بعد حكمه (ع) لانا نقول هذا مناف لقوله السنة اذا قيست محق الدين بحسب الظاهر فان الظاهر من هذا الكلام هو انكار العمل بالعمل بالقياس و الحكم بدون مستند شرعىّ من الكتاب و السنة و انكان عن قطع و لكن لا يخفى ان بعد ملاحظة هذه الرواية يرتفع القطع فان قلت فبناء على هذا فالرواية دالة على انكار المعصوم على الابان من العمل بالاولوية فى زمان السابق مع كونها قطعية ان قبل ملاحظة الرواية قطعية قطعا و هو مخالف للبداهة و الضرورة فان كل احد مكلّف بالعمل بمقتضى قطعه و القطع معتبر بنفسه كما مر فلا بد من ارتكاب خلاف ظاهر فيها لو كان ظاهرا فيما ذكرت و لا معنى للقول بكون الرواية سببا لارتفاع قطع الابان فى السابق اذ سببيّة اللاحق للسابق غير معقول قلت لم يكن انكار المعصوم (ع) على الابان فى الظاهر فى السابق بل انكار واقعى عليه بمعنى ان المعصوم (ع) يكشف ان عقولكم ناقصة فلا ينبغى الاعتماد عليها و لا يق ان انكار العمل بادراك
[١] لان ما يتطرق اليه فى الحقيقة اصل محكم من الاستبعاد فى بادى النظر يتطرق فى العلة المذكورة ايض منه دام مجده