القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٣٠٦ - المقام الخامس القائلين بان حسن الاشياء و قبحها عقلى و ذاتى فى مقابلة الاشاعرة اختلفوا فى مقتضاهما
فالنزاع بينهم انما هو فى الصغرى ثم انه لا يخفى عليك انه على فرض ترجيح جانب النهى و القول بارتفاع الامر لا بد من القول بحرمتها لانه لا معنى لكراهة العبادة اذ بدون الامر تشريع محرّم هذا على فرض كون المراد بالكراهة فيها هو الكراهة المصطلحة و اما لو حملنا الكراهة فيها على اقلية الثواب فلا يلزم ما ذكرنا من المحذور اصلا و لا يمكن جعل هذه الثمرة قطعا و لو كان القسم الاول منه و لكن حمل الكراهة فيها على اقلية الثواب مع انه خلاف ظاهر لفظ النهى باطل لوجهين الاول انه لو كانت الصلوة فى الاوقات المخصوصة و الصوم فى الايام المعلومة اقل ثوابا لما تركهما الائمة (ع) بمجرد ذلك مع تمام محافظتهم على المستحبات و الثانى انه لو كانت هذه العبادات اقل ثوابا من غيرها و لم تكن تركها راجحا لما نهى الائمة (ع) شيعتهم عنها لانه تفويت لمصلحتهم و معلوم انه لا يضد منهم (ع) ذلك فان قلت لعل الوجه فى تركهم (ع) العبادات المكروهة و النّهى عن فعلها انما لبيان ان الاشتغال بما هو افضل منها اولى قلت هذا باطل بوجوه ثلثة الاول النقض بالصوم فانه لا ينافى شيئا من المستحبات فيمكن الجمع بينه و بين غيره من المستحبات فت و الثانى ان مقتضى ذلك ان نهى الائمة (ع) عن المستحبات التى اقل ثوابا من غيرها اذ مراتب الثواب فيها مختلفة قطعا مع انه لم ينهوا عن كل ما هو اقل ثوابا بل عنه ايض و كذا مقتضاه ان لا يقدموا على المستحبات التى يكون اقل ثوابا من غيرها و بطلان ذلك معلوم بالبداهة و الثالث انه لا شك فى ان كثيرا من المكلفين يتركون العبادات المكروهة نظرا الى ورود النهى عنها و لا ياتون بغيرها من المستحبات ايض لان الظاهر من النهى فى نظرهم هو ان الفعل الذى تعلق به النهى فيه المفسدة لا ان غيره اقوى مصلحة منه فيجب عليهم (ع) نصب قرينة تدل على ان المراد خلاف الظاهر و ان كان بارتكابهم (ع) فعله كما يرتكبون المباحات بيانا لاباحتها و يتركون المستحبات بيانا لعدم وجوبها و يرتكبون المكروهات بيانا لجواز ارتكابها فظهر ممّا ذكرنا ان حمل الكراهة فى العبادات على اقلية الثواب ممّا لا وجه له و كذا حملها على الكراهة المصطلحة فى المكروهات اى لم يكن لها بدل و كذا فيما كان لها بدل على بعض المذاهب كما يظهر بالتامل فيما سنذكره فان قلت ما ذكرته فى نفى الكراهة المصطلحة من لزوم التناقض و التكليف بما لا يطاق مقتضاه نفى الامر لا نفى المحبوبية الذاتية فلو اتى بها لكان اتيا بالمحبوب فصحتها عبارة عن كونها موافقا لما هو محبوب لا موافقة الامر فلا يرد محذور فى البين اصلا قلت ما ذكرته مقبول على تفصيل و هو ان هذا الكلام فاسد على مذهب الاشعرى قطعا لانهم نافون للتحسين و التقبيح العقليين و هذا الكلام موقوف على هذا القول لانهم يمنعون من تحقق المحبوبيّة من دون امر و حيث انك اعترفت بان الامر غير ممكن فى المقام فلا يكون محبوبية فى البين اصلا و كذا لا يصح هذا الكلام على مذهب من قال بان حسن الاشياء و قبحها من لوازم الذات او الصفات اللازمة بيان ذلك ان هذا القائل يقول بان المتصف بالحسن و القبح هو الماهيات الكلية لا الافراد الجزئية فالصلوة الكلية متّصفة بالحسن يقينا و لا يجوز النّهى عن فرد مخصوص منها كالنهى عنها فى الاوقات المخصوصة فان النهى لا بدّ ان يكون تابعا للمفسدة و المتصّف بالمفسدة ليس هو الكلى لان المفروض انه حسن و الا لم يتعلق بها الامر فلا بد ان يكون كلى اخر او خصوصيّة هذا الفرد و الاول غير موجود فى المقام لان المفروض انه لم يكن من قبيل اجتماع الامر و النّهى بل هو مما ليس له بدل و لا خصوصية له سواء كونها فى هذا الزمان المخصوص و هذا لا يوجب قبحه بناء على مذهبه فانه يقول بانهما ذاتيان و لا يتصف الاشياء بهما بواسطة الوجوه و الاعتبار فلا يمكن له اثبات كونه قبيحا و كذا لا يصح هذا الكلام على مذهب القائل بالوجوه و الاعتبار ايض بيان ذلك يظهر بالتامل فيما ذكرنا وجها لعدم جواز اجتماع الامر و النهى على هذا المذهب و نزيد هنا فنقول ان الوجه فى ذلك هو ان مقتضى مذهبه هو ان الطبيعة الكلية لا يتصف بحسن و لا قبح و اتصاف الطبيعة بهما موقوف على تحققها فى الخارج فى ضمن الافراد فبدون تحقق الصلوة فى هذا الزمان لا يكون حسنة و لا يكون قبيحة فاذا كان تحقيقه فى
هذا الزمان موجبا لصّحتها لاجل مفسدة فى الزمان لا يكون حسنة لعدم المقتضى للحسن اذ يكون الامر بالعكس فلا يكون قبيحة لعدم المقتضى له و انما يصحّ هذا الكلام على مذهب القائل بانهما بالاعم من الثلثة بيانه انه يقول بان المهية الكلية متّصفة بالحسن لاجل ذاتها او لصفة لازمة لها و خصوصية الفرد قبيحة باعتبار خصوصيته فح يجب على الامر ان يلاحظ القوة و الضّعف و التساوى فعلى الاخير ليس له الامر و لا النهى لان اجتماعهما غير ممكن و ترجيح احدهما ترجيح بلا مرجّح نعم له ان يبين ذلك فيقول هذا الفعل فيه مصلحة ذاتية و حسن ذاتى و لكن يعارضه القبح العارضى المساوى له فح لو اتى بها العبد لا يستحق ثوابا و لا عقابا و انكان حسن المهية اقوى من قبح الخصوصيّة فيلزم الامر بها فلو امتثل المكلف استحق الثواب و انكان الامر بالعكس فيلزمه النهى انكان بحيث يوجب حرمته فيلزمه النهى اللزومى و ان لم يكن بهذه المرتبة فالتنزيهى فعلى الاوّل لو اتى بها المكلف يستحق العقاب و لكن يسقط من عذابه بقدر المصلحة و المحبوبيّة فى المهيّة و على الثانى لا يستحق العقاب بل يستحق الثواب بقدر محبوبية المهية و ان ترتب المفسدة الكامنة فى الخصوصية على فعله فيوجب بعد درجته و حط مرتبته بقى الكلام فى ان غاية ما ثبت من ذلك امكان هذا على هذا المذهب و يتم الكلام فيه فيما يستقل به العقل و اما فيما لا يستقل به العقل كما نحن فيه فلا يجدى امكان ذلك فى اثبات محبوبيّة الماهيّة و مرجوحيّة فعلها لاجل قبح الخصوصية اذ يحتمل ان يكون هذا المقام من المقامات التى يكون الحسن فى المهية من دون قبح فى الخصوصية يوجب النهى عنه او يكون الامر بالعكس بمعنى ان يكون هذا المقام من المقامات التى يكون اتصاف المهية بهما بالوجوه و الاعتبارات من دون ان يكون بالذات او يكون المهية من حيث هى و باقتضاء ذاتها حسنة و الخصوصية المعينة قبيحة لا شك فى انه لو كان من قبيل القسم الاول يلزم الامر و لا يجوز النّهى و ان كان من قبيل الثانى فيلزم القول بكونه منهيّا عنها لا مامورا بها و لا يكون الاتى بها اتيا بالمحبوب فلا يكون مثابا باتيانها فى ضمن هذا الفرد و ان كان من قبيل الثالث فيتم ما ذكرت من ان الاتى بها آت بالمحبوب فيكون صحيحا بهذا المعنى و مثابا من هذه الجهة و حيث يحتمل هذه الاحتمالات الثلثة فتعيين احدها يحتاج الى معيّن فان قلت المعين موجود و هو الامر بالمهيّة و النهى عن الفرد فيكشف الاول عن محبوبيّة المهيّة و الثانى عن مرجوحية الفرد قلت هذا كلام فاسد لان رفع اليد عن احدهما مما لا بد منه و ان كان من القسم الثالث لما مر من لزوم التناقض و التكليف بما لا يطاق نعم يمكن ان يق ان الادلة الدالة على محبوبية المهية غير منحصرة فى الامر بل الادلة الدالة على محبوبية الصلوة و افضليتها من حيث هى على ساير الاعمال من دون دلالة على الطلب كثيرة مثل الحديث المذكور فى الالسنة و المكتوب فى الكتب المعتبرة و هو الصّلوة خير موضوع فمن شاء استقل و من شاء استكثر مثل ما ورد من ان الصّلوة و بان تقى و غير ذلك من الادلة الدالة على محبوبيّة المهية من حيث هى فان قلت نحن نعمل بمقتضى هذه الادلة و نقول بمحبوبيّة المهية من حيث هى و لكن لا يلزم مقصودك من بقاء النهى و ارتفاع الامر بل يمكن جعل قرينة ظاهرة لصرف النهى