القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٣٠٤ - المقام الخامس القائلين بان حسن الاشياء و قبحها عقلى و ذاتى فى مقابلة الاشاعرة اختلفوا فى مقتضاهما
فيلزمه التعدد و التصويب و الظاهر ان هذا القول من الجبائية فلا يحصل القطع بخطاء المجتهد و انكان الدليل القطعى على خلافه موجود و اما من قال بالاعم مع مدخلية العلم و الجهل فى لغيرهما فكل مقام ظهر انه ذاتى او بواسطة الصفة اللازمة فيحكم بالتخطئة قطعا ان كان دليل قطعى على الخلاف و احتمالا او ظنا انكان الدليل ظنيا و يحكم بالتصويب فى كل مقام علم بالوجوه و الاعتبار بهذا المعنى و لو كان مشتبها عليه انه فى هذا المورد هل هو بالوجوه و الاعتبار بهذا المعنى او بغيره من المعانى المذكورة المتقدّمة فيحتمل فيه التصويب و التخطئة و من قال بالثالث يلزمه القول بالتعدد بناء على اخذ تخلف الحكم الظاهرى فى الوجوه بمعنى مدخلية العلم و الجهل كما مر بيانه فان قلت القول بالوجوه و الاعتبار مع مدخلية العلم و الجهل كلام لا ينبغى التفوه به فلا يقول به الجبائية اذ هم قائلون بتبعيّة الاحكام للحسن و القبح و هو مستلزم للدور بيان ذلك ان تحقق الحسن فى الشئ موقوف على العلم بالامر و العلم بالامر موقوف على تحقق الامر و هو موقوف على تحقق الحسن فى الشئ فيلزم المحذور قلت لا نم توقف تحقق الحسن فى الشئ على تحقق العلم به بل على امكان العلم به و هو لا يتوقف على تحقق الامر فلا يلزم الدور كما لا يخفى فت مع ان هذا كلام خارج عن محل البحث اذ نحن لم نكن فى بيان صحة المذاهب فى هذا المقام بل نحن فى هذا المقام فى بيان ترتب الثمرات ثم انه للفاضل الاستاد ادام اللّه ايام افاداته كلام على بعض فضلاء المعاصرين و هو انه بعد ما عرفت ان لامامية كلهم متفقون على التخطئة و ان حكم اللّه تع فى كل واقعة واحد و انهم يقولون بكون المخطى معذورا فى خطائه و انه يجب العمل بمعتقده من حيث انه عمل بالمعتقد و ان بناء العقلاء ايض على ذلك فانا نرى بالعيان و الوجدان انه اوامر السيّد عبده باشراء البطيخ و اخبره بهذا الامر مخبر ثم اخبره مخبر اخر بخلافه بان مطلوب السيّد هو الرقى لا البطيخ و حصل له الظن من قول الثانى و اعتقد ان مطلوب السيّد هو هذا فانى بالرقى لم يكن ايتا بمطلوب السيّد و ان لم يكن معاقبا اذ لا شك فى انه لا يمكن التفوّه عند اهل العرف بان مطلوب السيّد هو الرقى و وجوب العمل بالمعتقد لا يستلزم تخلف المطلوب و كلى للعمل بالمعتقد مطلوب فلو تخلف عنه يستحق العقاب قطعا و ان اتى بالمطلوب و بالجملة امتثال احد الامرين لا يستلزم امتثال الاخر اذا عرفت ذلك فيظهر لك ما فى كلام من قال من لامامية من ان للّه تع فى كل واقعة حكمين واقعين اولى و ثانوى و يسمّى بالظاهرىّ ايض كما فى اكل الميتة فان له حكمين احدهما فى حالة الاختيار و الاخرى فى حالة الاضطرار اذ قد عرفت ان الامامية كلهم متفقون على اتحاد الحكم و انه لا تغير له بالعلم و الجهل و ان مع التخلف عن الواقع معذور لان مطلوب الامر تغير او حصل له مطلوب اخر و حاصل الكلام ان الامامية كلهم قائلون بان للّه تع فى كل واقعة جعلا و حكما واحدا و ليس له جعل وراء هذا الجعل و انه لا تعدّد فى الحكم بحسب خصوص الواقعة و العمل بالمعتقد ليس جعلا فى خصوص الواقعة كما هذا الكلام بعينه هو مقتضى مذهب الجبائية القائلة بالتصويب و هم قائلون بان للواقعة حكمين اوّلى و ثانوى فالاولى هو الذى يكون المقصود بالذات تحصيله و هو الذى انزله على رسوله و لذا يقول المصوّبة بالاجتهاد و الفحص و البحث عن الحكم و ايض الجبائية من جملة القائلين بتبعية الاحكام للحسن و القبح فلا بد ان يكون فى الاشياء مع قطع النظر عن العلم و الجهل جزء مقتض لهما و لو كان بواسطة الوجوه و الاعتبار حتى يتم المقتضى بانضمام العلم مع هذه الوجوه و الاعتبارات فالجبائية مخطئة بهذا الاعتبار اذ لا شك فى اتحاد هذا الحكم و تعدد الاراء فعدهم مصوبة انما هو باعتبار الحكم الواقعى للمكلف و لا ريب ان الامامية بهذا الاعتبار ايض مخطئة فالتخطئة و التصويب انما هو باعتبار الحكم الواقعى للمكلف ولى فى هذا المقام تامل فت ثم لا يخفى عليك انه لا يلزم الاشاعرة القول بالتصويب و لا القول بالتخطئة و ليس لهم ايض تعيين احدهما و ذلك لانهم لا يقولون بتبعية الاحكام للصفات الكامنة بل هى تابعة لجعله تع حيث شاء و يمكن ان يجعل حكما واحدا للجميع لا يتخلف بالعلم
و الجهل فهم ح كالقائلين بالتحسين و التقبيح الذاتيين يلزمهم التخطئة بلا شك و شبهة و يمكن ان يجعل لكل واحد هو ما اعتقده انّه حكم اللّه الاولى المقصود بالوصول اليه الباعث على الفحص و البحث كما يقول به الجبائية فيلزمهم التصويب و يمكن ان يجعل لكل واقعة احكاما بحسب الاوقات و الازمان و الامكنة كما يقول به القائل بالوجوه و الاعتبارات من دون مدخلية العلم و الجهل فيلزمهم التخطئة ايض و يمكن ان يجعل فى بعض الاشياء حكما لا يتخلف بتبدّل الاراء و فى بعضها حكم اخر يتبدل يتبدّل الاراء كما يقول به القائل بالاعمّ من الذاتى و الوجوه و الاعتبارات التى يكون للعلم و الجهل مدخلية و هكذا فالاشاعرة لو اختاروا واحدا من القولين نعترض عليهم بانّه ما الدليل على ذلك بخلاف الجبائية فانه لا يرد عليهم ايراد فى اختيارهم التصويب اذ هو لازم قولهم بالوجوه و الاعتبارات بالمعنى المتقدم فان ورد عليهم ايراد فهو فى هذه المسئلة هذا و الحق هو التخطئة و التصويب فنشير الى بعض الادلة الدالة على التخطئة و فى الحقيقة هذه الادلة ادلة على بطلان قول الجبائية فمنها اتفاق الفرق الناجية و الطايفة الاثنى عشرية على التخطئة و بطلان التصويب و منها الاخبار المنقولة عن امير المؤمنين و يعسوب الدين هو قائل الغرّ المحجّلين عليه الصّلوة و السلم التى تدلّ بمضمونها كما هو المنقول على انه (ع) انكر على اختلاف الاراء معلّلا بان اللّه تع و النبى (ص) واحد و الكتاب واحد و حكم اللّه واحد فما اختلاف هذه الاراء و منها بناء العقلاء على اتحاد الحكم كما مرّ بيانه فى المثال الذى تقدم فى امر السيّد عبده باشتراط البطيخ الى اخر ما تقدم من جملة الثمرات ترتب المصلحة و للفسدة و عدمهما فان لازم مقالة الجبائية هو عدم ترتب المصلحة و المفسدة على الفعل و الترك بدون العلم اذ تحققهما موقوف على العلم فكيف يترتب عليهما بدونه و اما القائلون بعدم مدخلية العلم و الجهل فلازم مقالتهم هو ترتب المصلحة و المفسدة عليهما بدون العلم ايض فمن شرب الخمر معتقدا بانه ما يترتب عليه تاثير الذاتى و ان لم يترتب عليه العقاب المترتب على المعصية لانه لا يكون عليه حراما ح فلا يكون عاصيا و اما تاثير الذاتى فكتاثير السم يترتب عليه و لا يلزم قبيح على الامر اذ مقتضى عدم جواز التكليف بما لا يطاق هو رفع التكليف لا رفع التاثير الذاتى و قد حكى انهم عنونوا مسئلة و هى انه هل يتوقف التاثير الذاتى على التكليف كما ان التكليف داير مداره ام لا و هذا الاختلاف من القائلين بعدم مدخلية العلم و الجهل فى الحسن و القبح لا وجه له الا ان ينزل على ان المراد انه هل يلزم على اللّه تع رفع التاثير ام لا فتدّبر و من جملة الثمرات جواز اجتماع الامر و النهى و عدمه فانّه لا يجوز الاجتماع على من قال بالوجوه و الاعتبار مع مدخلية العلم و الجهل فانه يقول بعدم اتصاف الفعل بالحسن و القبح مع قطع النظر عن الوجوه و الاعتبارات و قد عرفت ان الوجوه و الاعتبارات الموجبة لاختلاف الحسن و القبح ليس كل وجه و اعتبار بل الوجوه القابلة لتغير الحسن و القبح بواسطة اتصافها باحد الاحكام الخمسة او بواسطة غيره فالصّلوة مثلا مع قطع النظر عن كونها فى دار المباح او الحرام لا يتصف بالحسن و القبح فان وقعت فى دار المباح اتصفت بالحسن و ان وقعت فى الدار الغصبى اتصفت بالقبح فالصّلوة الكلية لا يتعلّق بها الامر حتى تقول بكونها فى الدار الغصبية مامورا بها اذ الحسن ليس فى الماهية الكلية فلا يتعلّق بها الامر فالصّلوة فى الدار الغصبية حرام ايض كالغصب بواسطة اجتماعها مع الغصب و لا يمكن تعكيس ذلك