القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٢٩٨ - اما المقام الثّالث وجود المنكر
الحكم انما هو فى مورد خاصّ و هو الوصفى و لا كلامنا فيه لانا نقول قد عرفت انه لا تفرقة بين مدركات العقل فان كان حجة ففى الجميع و الا فلا لا يق ان مقتضى هذا الخبر عدم اعتبار العقل و لو فى اصول الدين لاطلاقه قلت مورد هذا الخبر هو التبعيات و القدر الثابت بالاجماع من عدم اعتباره فى المستقلات ايض هو المستقلات فى الفروع لا الاصول نعم يلزم عدم اعتبار العقل التبعى فى الاصول ايض و لا ضير فيه و لا اجماع على خلافه فتدبر و ايض الرواية منصرفة الى الفروع لا الاصول فالاولى فى الجواب عن الرواية هو عدم اعتبارها لكونها ظنية و لا يعارض القطع الحاصل بالحكم من حكم العقل فلا بد من تقييدها بغير صورة حصول العلم و حملها على غير الاولوية القطعية فكانه يصير المعنى هكذا السنة ان اقيست محق الدّين الا ان يكون الحكم الحاصل من القياس قطعيّا فالرواية محمولة على عدم اعتبار الاولوية الظنية و منها ما رواه فى الوافية عن ثقة الاسلام من صحيحة زرارة عن ابيجعفر (ع) قال بنى الاسلام على خمسة اشياء الى ان قال اما لو ان رجلا قام ليله و صام نهاره و تصدق بجميع ماله فحج دهره و لم يعرف ولاية ولى اللّه فيواليه فيكون جميع اعماله بدلالته اليه ما كان له على الله حق فى ثوابه و لا كان من اهل الايمان و الحديث طويل اخذنا منه موضع الحاجة انتهى وجه الدلالة ان الرواية تدل على ان الاعمال اذا لم يكن بدلالة ولى الله لم يكن للعامل حق على الله فى ثوابه و انكان العقل مستقلا فيه باستحقاق الثواب و ان كان عارفا لولى الله و لكن لا يكون اعماله بدلالته اليها لان الشرط مركب من المعرفة و كون الاعمال بدلالته فاذ استفيد من الحديث عدم الاستحقاق مط و لو فيما يستقل يظهر عدم اعتبار العقل فكلما حكم فيه باستحقاق الثواب فهو بدوى و لا يق ان هذا الخبر ايض مثل رواية كل شئ مطلق منصرف الى غير ما يستقل لانا نقول هذا الكلام هنا غير وجيه لان التصدق بالمال خصوصا بجميعه مما يحكم العقل فيه باستحقاق الثواب و قد نفته الرواية فيكشف عن عدم اعتبار العقل و قد يجاب عن ذلك بان الحق و انكان نكرة فى سياق النفى و يفيد العموم و لكن العموم فيه بالنسبة الى الثواب لانه قيده به و الثواب مطلق و له فرد شايع اذ هو على اقسام ثلثة الاول و هو الشايع هو الجنة و الثانى هو رفع العقاب لا بمعنى ان رفع العقاب ثواب بل بمعنى ان الاجر الذى استحق بعمله الخير يكون بازاء استحقاقه العذاب و يكون رافعا له و الثالث ان لا يكون رافعا للعقاب بل يكون مخففا له بمعنى ان العذاب الذى استحقه بواسطة المخالفة عذاب عظيم لا يجره جعل الثواب بازائه لكون الثواب و الاجر قليلا لا يقاوم استحقاق العقاب فلا بد من حمله عليه و هذا غير مناف لحكم العقل و لا ينفى اعتباره لان القدر الذى يدركه العقل و يكون قاطعا به هو ان بعض الافعال الذى يدرك حسنه لا يكون خاليا عن الاجر اما تعيين الاجر و كمه فلا يكون العقل مدركا لهما فما تنفيه الرواية لا يكون حكما للعقل و ما هو حكم له لا تنفيه الرواية و ذلك امر واضح و فيه نظر و قد يجاب بجواب اخر و هو ان الرواية لا تنفى الا الثواب و اما العقاب فلا تدل الرواية على نفيه بقطعه باستحقاق العقاب على الفعل او الترك يجب عليه الاتيان فى الثانى و الترك فى الاول فيكون العقل معتبرا فى اثبات الحكم الشرعى و لا تنفيه الرواية فان قلت نتم الباقى بالاجماع المركب قلت نحن نعكس الامر فان قلت تعكيس الامر غير جايز لان هذا الشطر اى نفى استحقاق الثواب بالدليل و هو الرواية قلت استحقاق العقاب و اعتباره ايض ثابت بالدليل و هو الدليل المتقدم على اعتبار القطع الحاصل من العقل و فيه نظر و قد يجاب بجواب اخر و هو ان المستفاد من الرواية هو نفى فعلية الثواب و تحققه و ما حكم العقل به هو الاستحقاق واحدهما غير الاخر فان قلت كيف يمكن عدم التحقق مع الاستحقاق فانه مناف لطريقة العدلية فلا بد ان يترتب على كل عمل اجره الّذى قدر عليه فى الواقع بعد استحقاقه و ان كان بجعله رافعا للعقاب و مقابلا له او مخفّفا له كما مر فى الجواب المتقدم قلت الاستحقاق بدوىّ بمعنى ان العقل يحكم بكون هذا الفعل فى حدّ ذاته و مع قطع النظر عن
شئ اخر موجبا لاستحقاق الثواب و اما ان هذا الاستحقاق يكون باقيا قطعا و لا يرفعه مانع فلا يحكم العقل به بل يحكم العقل بان البقاء موقوف على عدم المانع فعدم المعرفة مانع من بقاء الاستحقاق و الرواية لا تدل على ازيد من نفى الاستحقاق بواسطة عدم المعرفة و بعبارة اخرى الرواية تدل على ان الاستحقاق لم يكن باقيا الا ان حكم العقل لم يكن معتبرا بل يكون بقاؤه مشروطا بعدم وجود المانع و فيه نظر ايض و قد يجاب ايض بان الرواية يحتمل احتمالات ثلثة الاول ان يكون الشرط المترتب عليه الجزاء المذكور فى الرواية هو كل واحد من الامور الثلثة اعنى عدم المعرفة و عدم الموالاة و عدم كون الاعمال جميعا بدلالته اليه على طريق القضية المنفصلة فكل واحد من هذه المذكورات مستلزم لترتب الجزاء المذكور و الثانى ان يكون المركب من الثلثة شرطا فبتحقق الجميع يتحقق الجزاء المذكور و بانتفاء واحد منها لا يترتب الجزاء و الثالث ان يكون الشرط هو المعرفة فقط و يكون ذكر الاخيرين ذكر اللازم المعرفة و هذا هو الظاهر مع ان حمل الرواية على احد المعينين الاولين غير جايز اما الاول فلانه مستلزم لان لا يكون الشخص العارف الذى لا يكون جميع اعماله بدلالته اليه مؤمنا و هو باطل قطعا اذ الاتصاف بالايمان و عدمه تابع للاعتقادات الحقه و عدمها لا لكون الاعمال بدلالته و عدمها و ايض يلزم ان لا يكون لهذا الشخص العارف استحقاق ثواب اصلا و انكان بعض اعماله بل اكثر بدلالته اليها و لكن يكون بعض اعماله بدلالة العقل و هو باطل قطعا و الاتصاف بعدم الايمان فيه اوضح فسادا من سابقه و اما الثانى فلانه مستلزم لان لا يتصف الشخص الغير العارف اذا كان اعماله بدلالته بعدم الايمان بل يكون مؤمنا و مستحقا للثواب و هو باطل جزما فتعيّن ان يكون المراد هو المعنى الاول فيكون المقصود بالذات هو بيان حكم غير العارف و ان اعماله خال عن الثواب و هو غير متّصف بالايمان لان العقل ليس بحجة و ان العارف اذا عمل عملا يكون خاليا عن الاجر و الثواب فان قلت يكفى للمستدلّ عدم ترتب الثواب على اعمال غير العارف و انكان مما يستقل فيه العقل قلت بعد ما عرفت من ان الظاهر و المتبادر من الثواب هو الاجر الذى وصل اليه مما يتلذّذ به من الجنة لا يبقى وجه لهذا الايراد اذ نفى استحقاق هذا القسم من الثواب لا يستلزم نفى القسمين الاخيرين من رفع العذاب و تخويفه و لا يحكم العقل على ازيد من ان العمل لا يكون خاليا عن شئ فتدبر و يمكن الجواب عنه بجوابين اخرين الاول انه سلمنا تمامية الدلالة و لكنه خبر واحد و لا يكون حجة فى المسئلة الاصولية و الثانى انه سلمنا حجية فيه ايض و لكنه ظنى و لا يعارض الدليل القطعى فان العاقلة حاكمة قطعا انه لا يجوز التسوية بين غير العارف بمعرفة ولى الله المحسن الى عباد الله غاية الاحسان خالصا لوجهه تعالى