القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٣٠٩ - المقام السّادس فى بيان انه هل يكون الواقعة خالية عن الحكم ام لا؟
بعد اثبات المقام الاول بيان ذلك ان من المبرهن عند الطايفة الحقه تبعية الاحكام للصفات الكامنة فاذا فرض درك العقل حسن شئ او قبحه عند الله تع كما هو محل النزاع فى المقام الاول و ثبت ان الله تع صدر منه فى هذه الواقعة حكما فيحكم بان حكمه الوجوب او الحرمة او الاستحباب او الكراهة على حسب مقتضى حكم العقل و الحاصل انه يمكن لنا اثبات الحكم الشرعى بمقدّمات ثلثة و ان لم نقل باثبات المقام الثانى و الثالث المقدمة الاولى هو ان هذا الفعل متصف بالصفة الكذائية من الاوصاف الخمسة و الثانية انه صدر من الله تع حكم ذلك فهو على وفق هذه الاوصاف و الثالثة انه صدر من الله تع حكم هذه الواقعة فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الكلام هيهنا يقع فى مقامين الاول فى الافعال التى يحتاج اليه العبد بمعنى انه يتحقق له ارادة فعله فى زمان و الثانى الافعال المتصوّرة للعباد و ان لم يكن العبد محتاجا اليها اصلا و لا بد قبل الخوض فى بيان المقامين من بيان امرين الاول ان هذه المسئلة من اى العلوم هل هو من المسائل الكلامية او الاصول العلمية او المسائل الفروعية او هى خارجة من الثلثة بان يكون من الموضوعات الصرفة او المستنبطة لا شك فى عدم كونها خارجا منها لانك قد عرفت ان الموضوعات المستنبطة عبارة عن الفاظ الكتاب و السنة و الموضوعات الصرفة عبارة عن جزئيات موضوعات الاحكام الشرعيّة و لا ريب فى انه لا دخل فى انه على الله تع بيان الاحكام فى الواقع فى شئ من الامرين و كذا لا يكون من المسائل الاصولية و الفقهيّة امّا الاول فلان البحث فيه عن عوارض الادلة و معلوم عدم البحث فيها عن ذلك و اما الثانى فلانّ البحث فيها انما هو عن تعلق الاحكام تفصيلا بافعال المكلفين و معلوم انه ليس فيه بحثا عن فعل المكلف اصلا فضلا عن كونه تفصيليّا بل عن فعله تع انه هل يلزم عليه تع التكليف و بيان المصالح و المفاسد ام لا فظهر من ذلك انه من المسائل الكلامية و حجية الظن فيها هى محل كلام فنحتاج الى بيان مقام الثانى الثانى فى بيان ان الظن فى هذه المسئلة حجة ام لا الحق حجية الظن فيها و انكانت من المسائل الكلامية لان الظن فيها يورث الظن بالحكم الفرعى و قد اثبتنا حجيّة الظن فيها فيكون حصول الظن بالحكم الفرعى بواسطة هذا الظن كالظن الحاصل بها بواسطة الظن فى الموضوع المستنبط و قد مرّ بيانه فى حجيّة المظنة و لا ريب فى انه لا مجال للقول بعدم جريان المقدّمة الرابعة اذ هذا الظن مستند الى الاخبار فان لم يكن داخلا فى الاسباب المظنون الاعتبار فلا اقل من عدم كونه اسوء حالا من الظنون الحاصلة من الاسباب الموهوم الاعتبار اذا عرفت ذلك فلنرجع الى بيان المقامين فنقول يدلّ على مقام الاول وجوه الاوّل ان اظهار المصالح و المفاسد فى الافعال التى يحتاج اليها العبد للحجة فى الارض من نبى او وصىّ لطف و اللطف على الله تع واجب و تركه منه تع غير متصوّر لامتناع صدور القبيح منه تع فثبت ان الافعال التى يحتاج اليه العبد اظهر الله تع حكمه للنبىّ و هو للوصىّ و هكذا فاذا ثبت هذا المعنى اى الاظهار ان له جعلا فى كل واقعة بطريق اولى اذ اثبات الاخصّ مستلزم لاثبات الاعم فان قلت سلّمنا وجوب اللطف و اظهار التكليف و بيان المفاسد و المصالح فيما يكون فيه المفسدة و المصلحة اما بيان الحكم فى غيره فلا نم كونه لطفا سلمنا و لكن وجوبه مم و بعبارة اخرى سلمنا وجوب بيان حكم الوجوبى و التحريمى و الاستحبابى و الكراهتى و اما وجوب بيان حكم الاباحة مم من جهتين من جهة الصّغرى و الكبرى معا قلت لا وجه لمنع ذلك اذ عدم بيان حكمه مستلزم للخلل بالواجبات او ارتكاب المحرّمات و ذلك بان يحكم عقله بخطر الاشياء قبل ورود الدليل فاذن قد يضطر بارتكاب هذا الفعل المحرم فى نظره المباح فى الواقع او بارتكاب محرّم اخر او يدور الامر بين ارتكابه و ترك واجب فيرتكب المحرم الواقعى فى الفرض الاول و يترك الواجب فى الفرض الثانى و هكذا و فيه نظر نعم يمكن ان يق انه يوجب ترك المستحب و ارتكاب المكروه اذا دار الامر بينه و بينهما فت و الثّانى الاخبار المنقولة بالمعنى الدالة على ان اللّه تع فى كل واقعة حكما و بيّنه للنبى و النبى للخزنة حتى ارش الخدش و قد عرفت ان الظن الحاصل منها حجة فلا يرد انها اخبار احاد و الثّالث ما قاله فى
الوافية عن محمد بن حكيم قال قال ابو الحسن (ع) اذ جاءكم ما تعلمون فقولوا به و اذا جاءكم ما لا تعلمون فها و وضع يده على فيه فقلت و لم ذاك قال لان رسول اللّه (ص) اتى الناس بما اكتفوا على عهده و ما يحتاجون اليه الى يوم القيمة وجه الدلالة واضح فانها دلت على ان النبى (ص) اتى بحكم كل شئ يحتاج اليه العبد فى كل زمان و هو المطلوب فان قلت هذا الحديث لا يشمل ما يستقل به العقول فانه لا احتياج للعباد الى بيانه و الظاهر من ما يحتاج اليه هو ما يكون محتاجا اليه من جهة بيان الحكم و هى من جهة صدور فعله عنهم و ما يكون العقل فيه مستقلا لا يكون محتاجا اليه من الجهتين فلا يستفاد من الرواية ان لله فيه حكما مجعولا محفوظا عند اهله قلت اولا لا نسلم ان الاحتياج ظاهر فى الاحتياج من الجهتين بل الظاهر هو المحتاج اليه فى الارتكاب و ثانيا ان المراد من الناس هو العموم الافرادى لا المجموعى فما يحتاج اليه بعض الناس من الجهتين يستفاد من الرواية ان الله تع بينه للنبى (ص) فيثبت المطلوب لانه لا شك فى عدم وجود شئ يستقل به العقل عند جميع الناس ا لا ترى ان الطايفة الضالة جميعا انكروا ادراك العقل بالمرة و بالجملة لا شك فى دلالة هذه الرواية و قد يتمسك فى اثبات ذلك بقوله (ع) كل شئ مطلق حتى يرد فيه امر او نهى وجه الدلالة ان الوقايع على قسمين الاوّل ما علم حكمها من الوجوب و الحرمة و غيرها من الاحكام الشرعية بالخصوص و الثّانى
ما لم يصل حكمها من الشرع بالخصوص فالاول معلوم وجود الحكم من اللّه تع فيها بالادلة المخصوصة و الثانى معلوم وجود الحكم من جانبه تع فيها بهذه الرواية اذ هى دالة على ان كل فعل لم يكن مقيدا بقيد فهو مباح فكل شئ له حكم مجعول من جانبه تع و هو المطلوب و فيه نظر من وجهين الاول ان المستفاد من هذه الرواية هو ان الاحكام الظاهريّة لا الواقعية و كلامنا انما هو فيها لو ان المطلوب اثبات ان الله بين حكم الواقعى لكل شئ و اما المقام الثانى فلا يجرى فيه دليل اللطف و خبر محمّد بن حكيم فالدليل المعتمد عليه فيه هو الاخبار المنقولة بالمعنى الدال على ان الله تع بين حكم كل شئ حتى ارش الخدش فان قلت هذه الاخبار مطلقة و رواية محمّد بن حكيم مقيدة و من المقرر عند الاصوليّين انّه يجب حمل المطلق على المقيّد قلت اوّلا ان هذه الاخبار كما هو المنقول عمومات و معلوم انه لا تعارض بين العام و الخاص المتوافقين و العمل بهما معا متعيّن و ثانيا انا نمنع وجوب حمل المطلق على المقيّد فى هذه المواضع كما بيناه فى مقامه