القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٣١٥ - القاعدة الاولى الأشياء قبل الشّرع هل تكون على الحظر او الاباحة
انه سفه فى حد ذاته فلا يصدر من العقلاء فضلا عن الحكيم على الأطلاق فيلزم ان يكون الأوّل و هو المطلوب فظهر ممّا ذكرنا ردّ الوجهين الدّالين على حظر الأشياء قبل ورود الشرع و قبل العثور على الدّليل بعد ورود الشرع و امّا الوجه الثالث المختص بالاخير اعنى قاعدة الاشتغال فهو ايض مردود بما ذكرنا فى ردّ الوجه الأوّل من ان وجوب العمل بقاعدة الاحتياط انما هو ببناء العقلاء و بحكم القوّة العاقلة و قد عرفت ان كليهما مطلقا على عدم اعتبار مثل هذا الاحتمال الناشى عن مجرّد امكان العقلى و لا يوجبون التحرز عن محتمل الضرر و المفسدة بمثل هذا الاحتمال فظهر مما ذكرنا ان مقتضى الأصل الأولى و ان كان هو الحظر و لكن الاصل الثانوى بمقتضى الدّليل الوارد هو الاباحة بحسب حكم العقل فلو لم يكن دليل شرعى على اصالة الاباحة نقول بها ايض بمقتضى الدليل العقلى ما دام لم يجئ دليل على الخلاف مع ان الادلّة الشرعية الواردة ايض مطابق لمقتضى حكم العقل كما سنذكرها انش تع فظهر مما ذكرنا حال المقامين الاولولين و ان الحكم فى اباحة الظاهرية فى كلا المقامين متعين و امّا المقام الثّالث فمقتضى الادلّة الشّرعية هو ذلك ايض فمنها الحديث المشهور المنقول عن ثقة الاسلام فى الكافى كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى و قد نقله بطريق اخر زائدا فيه لفظ الامر كما اشرنا اليه سابقا و كيف كان فدلالتها على مطلبنا واضحة فانها دلت على كلا التقديرين على ان الاشياء ليست مقيدة بقيد النهى حتى يرد فيه النّهى فان قلت مقصودك اثبات الحكم للواقعة اعنى الأباحة و الرواية غير دالة عليها لان عدم التقييد بقيد النهى اعم من تقييدها يقيد حكم الاباحة او غيرها فيمكن ان يكون من قبيل افعال البهايم نعم يمكن اتمام المطلب بضم مقدمة اخرى و هى ان الواقعة لا تكون خالية عن الحكم كما مر بيانه فت قلت الرواية و ان احتملت ان تكون معناها ان الاشياء جميعا مطلقة بمعنى انها لم تكن مقيدة بقيد فتكون كالافعال البهايم حتى يرد فيها النهى و كذا يحتمل ان يكون المراد انها مطلقة من حيث النهى قبل ورود الشرع و وصول النهى و هذان الوجهان و ان لم يكونا مثبتين للمطلب اما الأوّل فواضح و امّا الثّانى فلان نفى التقييد بالنهى لا يستلزم الاباحة كما هو واضح و لكن ههنا احتمال ثالث ظاهر من الرواية يتم به المطلوب و هو ان الظ منها ان الاشياء مرخص فيها قبل ورود النهى عنها سلمنا عدم ظهور هذا الاحتمال و لكن نقول نثبت الاباحة بها ايض اذ الخطاب بان الفعل غير مقيد بقيد عين معنى الاباحة اذ لا نريد بالاباحة الا ما ورد خطاب الشارع بعدم كون الشئ مقيدا باحد الطرفين و البهائم لما لم تكن قابلة للخطاب لا يوصف افعالهم بذلك فان قلت الكبرى مسلمة و لكن الصغرى ممنوعة بالنسبة الى كل واقعة بيان ذلك ان الورود ليس معناه العلم بالورود بل معناه الصدور و ان لم تعلم بالصدور و الحاصل ان الورود و هى كل ما لم يرد فيه نهى فهو مباح غير ماخوذ فى معناه العلم فاذا ثبت ذلك فنقول ان عدم العلم بالورود و لا يستلزم عدم الورود فى الواقع فلا يصح ان يق هذا مما لم يرد فيه النهى فلا يمكن لك اثبات الاباحة قلت اولا ان الظ من الرواية عند العرف و العادة هو الورود العلمى اما اجمالا او تفصيلا و لا يذهب عليك ان هذا ليس من قبيل تغاير العرف و اللغة حتى لا يكون الحديث دليلا لمن قال بتقديم اللغة بل من قبيل حمل المطلق على الفرد الشايع و حملها على الافراد الشايعة مما اتفق عليه الاكثر و ثانيا انا نثبت عدم الورود بالاصل فان ورود النهى امر حادث و مقتضى الاصل عدمه و من المقرر عندنا ان الاصول قائمة مقام العلم فكانا عالمون بعدم ورود النهى فان قلت الشك انما هو فى الحادث لا فى الحدوث فالاصل غير جار هنا كما قرر فى محله بيان ذلك ان الشك انما هو فى الحادث لا فى الحدوث انا قد اثبتنا سابقا ان اللّه تع فى كل واقعة حكما و صدر منه هذا الحكم بل وصل الى الخزينة ايض فاذن نقول ان هذه الواقعة محكومة باحد الاحكام الخمسة فكما ان الاصل عدم الحرمة فكذا الاصل عدم الاباحة و هكذا فلا يمكن اجراء الاصل فى الجميع لان الانتقاض يقينى و الاجراء فى بعض دون اخر ترجيح بلا مرجح قلت نحن نقول بما قلنا به سابقا من ان حكم كل شئ صدر من اللّه تع و وصل
الى الخزنة و نجرى الاصل بالنسبة الى خصوصية كل حكم ايض و لا منافات بيان ذلك بانه يمكن ان يبيّن اللّه تع حكم الوجوب و الحرمة و غيرهما من الاحكام ثم بين حكم الاباحة بدليل عام لا يق ان مقتضى الاصل عدم هذا الحكم ايض لانا نقول هذا الحكم العام الدال على الاباحة صدوره يقينى و هو قوله (ع) كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى و بيانه للحكم الظاهرى للاشياء جميعا لا ينافى كونه مبينا للحكم الواقعى للاشياء المتصفة بالاباحة ايض و الحاصل انه نقول ان حكم هذه الواقعة بخصوصها هو الاباحة لا غيرها فى الواقع لان غيرها مستلزم لحدوث شئ و هو الخطاب و مقتضى الاصل عدمه بخلاف الاباحة فانه لا يحتاج الى خطاب زايد على قوله كل شئ مطلق كما مر بيانه هكذا اجيب و لى فيه تامل و الوجه واضح فان قلت يمكن تقرير الايراد بوجه اخر لا يرده هذا الجواب و هو ان يق لا شكّ و لا ريب فى بيان حكم بعض الافعال بخصوصها من الاباحة و غيرها من الاحكام فكل واقعة يحتمل ان يكون من القسم الذى بين اللّه تع حكمه بخصوصه فلا يمكن اجراء الاصل لانه شك فى الحادث ايض و ان لم يكن فى خصوص الواقعة و يمكن تقريره بوجه اخر ايض و هو انه لا شك فى تعلّق النّهى ببعض الاشياء قطعا فكل فعل يحتمل ان يكون هو المنهى عنه فيقع الشك فى الحادث ايض قلت الجواب عن هذين التقريرين واحد و هو ان الشبهة من قبيل الشبهة الغير المحصورة فلا اعتبار بهذا اليقين فتدبر و اما ثالثا فلان الرواية تكفى فى رد القايل بالحظر و ان قلنا بان المراد هو عدم الورود فى الواقع و ان الاصل لا يكفى فى اثبات الصغرى بيان ذلك انا نفرض العلم بعدم ورود النهى فى الواقع فمقتضى الرواية هو الحكم باباحته و الحال ان القائل بالحظر لا يقول بهذا بل يقول بكونه محظورا فى هذه الصورة ايض اذ المفروض انه يقول بحظر الاشياء بعد ورود الشرع و قبل العثور على الدليل ايض و ان الادلة الشّرعية الدالة على الاباحة عنده غير تامة فتدبر و قد اورد على الاستدلال بالرواية بايراد اخر و هو ان الحق ان لفظ الامر و النهى حقيقتان فى الامر المعنوى و هو طلب الفعل من العالى على سبيل الاستعلاء فى الاوّل و طلب الترك منه كك فى الثانى سواء كان الدال على هذا المعنى هو اللفظ او العقل