القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٤٩٧ - خاتمة فى بيان جواز استعمال اللفظ فى المعنى الحقيقى و المجازى
و السّادس قولك انهما مجازان قلنا ارتكاب هذا المجاز اولى من ارتكاب هذه الحقيقة لقدرة الاستعمال فى هذه الحقيقة و كثرة شيوع الاستعمال فى هذين المجازين و اما انهما كليان و الكليات مما لا تعلق بها الاحكام فبطلانه يظهر من التامل فى مواضعه و الخامس الايات الكريمة منها قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِ وجه الدلالة ان الصّلوة مشتركة بين الرحمة و الاستغفار و قد استعمله تعالى فى المعنيين و لا يمكن الحمل على احد المعانى لانه يلزم ان يكون احد المتعاطفين بلا خبر و منها قوله تعالى أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ وَ النُّجُومُ وَ الْجِبالُ وَ الشَّجَرُ وَ الدَّوَابُّ وَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَ كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وجه الدلالة ان السّجود مشترك بين المعنيين و هما وضع الجبهة على الارض و الخضوع و الانقياد و قد استعمل فى المعنيين هنا و منها قوله تعالى وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ فان القرء مشتركة بين الطهر و الحيض و قد استعمل فى المعنيين و الجواب عن الاية الاولى بوجوه الاول انّ القرينة هنا قائمة على ارادة المعنيين و لا كلام فى هذه الصّورة و انما الكلام فى حالة التجرّد عن القرينة و الثانى ان الصّلوة لم يستعمل فى المعنيين و انما استعمل فى القدر المشترك و هو التّعظيم و اظهار الشرف او الرّحمة و الثالث تقدير الخبر فان قلت انه يلزم الاضمار و الحذف و الاصل عدمهما قلت الاصل عدم ارادة جميع المعانى عن المشترك و اختيار هذا الاستعمال النادر و عن الثانية اما اولا فبان المراد بالسّجود هو غاية الخضوع و حقيقة فيه و ليس مشتركا اصلا و ثانيا بان ارادة المعنيين انما يكون مع القرينة و عن الثالثة بالمنع فى الاستعمال فى المعنيين الطهر و الحيض جميعا على انّ هذه الايات كلها لا تدلّ على ظهور لفظ المشترك فى المعنيين كما هو المدّعى
خاتمة [فى بيان جواز استعمال اللفظ فى المعنى الحقيقى و المجازى]
فى بيان جواز استعمال اللفظ فى المعنى الحقيقى و المجازى فاعلم ان العلماء اختلفوا فيه على نهج اختلافهم فى جواز استعمالهم لفظ المشترك فى الاكثر من معنى واحد على اقوال فقال بعضهم بالجواز و انّه مجاز و قال قوم بالجواز و انه حقيقة و مجاز بالاعتبارين و قال قوم بعدم الجواز و محل النزاع فى هذه المسئلة من الاستعمالات المتصوّرة هنا نظير الاستعمالات المتصوّرة فى مسئلة جواز استعمال لفظ المشترك فى الاكثر من معنى واحد هو الاستعمال فى كلّ واحد من المعنى الحقيقى و المجاز و ارادتهما جميعا على ان يكون كلّ واحد منهما مناطا للحكم و متعلّقا للاثبات و النفى و الحق هو الجواز و انه حقيقة و مجاز بالا عتبارين لنا ما ظهر فى المقدّمات من ان الوحدة ليست جزء للموضوع له و ان الاستعمالات ليست بتوقيفية و ليس الحقايق و المجازات وحدانية و انّ الموضوع له هو نفس المعنى و مقتضى هذه الامور جواز ارادة المعنى المجازى مع الحقيقى فان اللفظ مستعمل فى المعنى الحقيقى و ليس هذا الاستعمال موقوفا على عدم ارادة المعنى المجازى و فى المعنى المجازى و ليس هذا الاستعمال ايضا موقوف على عدم ارادة المعنى الحقيقى و كل واحد من الارادتين يكون باعتبار غير فارادة المعنى الحقيقى باعتبار انه ما وضع له و ارادة المعنى المجازى باعتبار العلاقة بينه و بين ما وضع له فان قلت ان المجاز ملزوم القرينة المعاندة مع ارادة المعنى الحقيقى كما هو المصرح به عند البيانيين و ملزوم معاندة الشئ معاند لذلك الشئ و الا يلزم انفكاك الملزوم عن اللازم قلت ان ذلك لا يمتنع من ارادة المعنى الحقيقى و المجازى فى استعمال واحد بارادتين لاعتبارين اما اولا فبان مرادهم بان المجاز ملزوم للقرينة المعاندة مع ارادة المعنى الحقيقى انه ملزوم لقرينة معاندة مع ارادة المعنى الحقيقى وحده فى الاستعمال لا للقرينة المعاندة مع ارادته و لو مع المعنى المجازى و ثانيا بان المجاز الملزوم للقرينة المعاندة هو المجاز عند البيانيين لا المجاز عند ارباب الاصول فان المجاز عند ارباب الاصول هو استعمال اللفظ فى خلاف ما وضع لعلاقة بينه و بين ما وضع له اعمّ من ان يكون ملزوما لقرينة معاندة كما فى المجاز عند ارباب البيان او لم يكن كالكناية فان قلت فعلى هذا الدليل اخصّ من المدعى لان المدعى هو جواز ارادة المعنى الحقيقى و المجازى معا فى استعمال واحد و الدليل يقتضى الجواز فى الكناية لا فى المجاز قلت الدليل اقتضى الجواز فى كلّ مجاز حال عن القرينة المعاندة و لا اختصاص لهذا بالكناية بل يمكن خلو كل مجاز عن هذه القرينة غاية الامر عدم تسمية ذلك المجاز مجازا عند ارباب البيان و هذا لا يوجب عدم الجواز و ثالثا بانّ مرادهم بالقرينة المعاندة مع ارادة الحقيقة المعاندة مع ارادة الحقيقة فى ارادة المعنى المجازى بمعنى ارادتها فى ارادة واحدة لا المعاندة مع ارادة الحقيقة و لو فى ارادة اخرى غير ارادة المعنى المجازى للمانعين انّ الاستعمال توقيفى محتاج جوازه الى وصوله من الواضع و ان اوضاع الحقايق و المجازات وحدانية فلا يجوز ارادة المعنى الحقيقى مع المعنى المجازى و لا معنى مجازى اخر معه ايضا و الجواب عنه يظهر مما مر من ان الاستعمال ليس بتوقيفى و وضع الحقايق و المجازات ليس بتوقيفى و احتج من قال بان الاستعمال جايز و مجاز بان اللفظ موضوع بالوضع للمعنى وحده بمعنى ان اللفظ موضوع للمركّب من المعنى و الوحدة و كذا موضوع بالوضع المجازى للمعنى مع الوحدة و قد استعمل فى كلاهما بالغاء قيد الوحدة فيكون مجاز الا ان اللفظ موضوع للمركب و الكلّ و قد استعمل فى الجزء فيكون مجازا و علاقته علاقة الكلّ و الجزء يعنى استعمال الموضوع للكلّ فى الجزء و ليس هذا مشروطا مما اشترط فى عكسه و الجواب انه ظهر مما قدّمنا عدم كون الوحدة جزء للموضوع له فعلى هذا يكون الاستعمال فى تمام ما وضع له اللفظ فيكون حقيقة باعتبار ارادة المعنى الحقيقى و مجازا باعتبار ارادة المعنى المجازى المقام الثانى فى بيان تعارض عرف الراوى و المروى عنه و تحقيق الكلام فى هذا المقام يحتاج الى رسم مقدّمات و مقام الاولى فى بيان الاقوال فى المسئلة فاعلم ان الاقوال على ما هو المرئى و المحكى اربعة الاول الحمل على المروى عنه فى عرف المتكلم مط و الثانى الحمل على عرف الراوى المخاطب مط و الثالث التوقف و هو المنسوب الى صاحب المدارك و المحقق البهبهانى التفصيل