القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٣٥٧ - الثانية اذا وقع التعارض بين هذه القاعدة و غيرها من القواعد الشّرعية و الاصول العقلية
هو ان يق انه لا شك و لا ريب فى كون العسر و الحرج منفيا شرعا بجميع الاقسام و اما عقلا فلا شكّ فى كون القسم الموجب للاختلال منه منفيا قطعا و اما القسم الذى لا يتحرزون عن ارتكابه العقلاء فلا يكون منفيا بالعقل قطعا و اما القسمان الاخيران و هما اللذان يكون الكلام فيهما فنقول فيهما تفصيل و هو ان كانا بالنسبة الى من لا يقدّم عليهما كما فى اغلب الناس فلا يجوز ذلك امّا الحقيقى فظاهر و اما الابتلائى فلانه لا يصحّ الابتلاء فى مثل هذه الامور التى لا يقدمون عليها بالنّسبة الى مثل هذه الاشخاص لاتفاق العقلاء على قبحه و لذا لا يجوّزون فى صدور مثل هذا الامر من السّلطان الى اغلب عبيده الّذين لا يكون لهم مرتبة اخلاص و انقياد تام و لو عاقبهم بمخالفة مثل هذا الامر يكون مذموما عند العقلاء قطعا نعم يصحّ بالنّسبة اليهم فى بعض الافراد القسم الذى لا يكون فيه ايلام للبدن و لا يكون المشقة شديدة غاية الشدة و ان كانا بالنّسبة الى الى من يقدم عليهما و يكون تاما فى مرتبة الاخلاص و العبوديّة كالانبياء و الاوصياء فيصح بالنسبة اليهم ما يتصور منهما و يكون مقدورا لهم كما وقع اعظمها فى الوقايع المتقدّم ذكرها و يقع ذلك فى اوامر السّلطان بالنّسبة الى بعض خدامه الذين يكونون من جملة المخلصين و المفدين مالهم و عيالهم و انفسهم فى خدمته فان قلت مقتضى ذلك عدم صحّة هذه التكاليف بالنسبة الى عامة الناس فى كل امّة و فى كل زمان اذ لا تفاوت بين الامم و الازمان و لا ريب فى مثل ذلك فى الامم السّابقة كما هو المنقول فى امّة موسى من انهم يجب عليهم قطع موضع النجاسة البولى فاذا وقع قطرة من البول على فخذهم يجب عليهم رفع قشر موضع النجاسة و هكذا و لا ريب ان هذا من المشاق التى لا يتحمل عادة و لا يقدم عليه احد الا الاوحدى من الناس فوقوع هذا فى الشرايع السّابقة يكشف عن فساد ما ذكرت قلت هذا كلام فاسد فاما اولا لانا نمنع من وقوع ذلك فى الشرايع السّابقة اذ صحة هذا النقل و اعتباره مم لانه لم يكن من المتواتر و لا من الاحاد المحفوفة بالقرينة القطعيّة او المعتبرة و اما ثانيا فلانا نمنع من كون هذا التكليف شاقا عليهم لاحتمال ان يكون ابدانهم قويّة لا يتالم بمثل وقوع هذه الوقايع عليها كما نحن لا نتالم برفع القشر من العقب فتامل و اما ثالثا فلانا قلنا بعدم الصحّة هذه التكاليف بالنسبة الى من لا يقدّم عليها و اما بالنسبة الى من يقدم فصحيح فلعل امّة موسى يقدمون على مثل التكليف المذكور بل المقطوع هو ذلك ان كانوا مكلّفين بمثل هذا التكليف فتدبّر ثم اعلم ان هيهنا فوايد جليلة لا بد ان ينبه عليها الاولى فى بيان ان هذه القاعدة هل يقبل التخصيص ام لا و على فرض قبولها هل هو تخصيص او تخصّص و الفرق بينهما ان فى المخرج فى الاول داخل فى الحكم و لكن المخصّص قد خصّصه و فى الثانى لا يكون الدليل شاملا لهذا المورد فالاختلاف انما هو من جهة الاختلاف فى الموضوع لا شكّ فى قبولها التخصيص فيما لا يكون منفيّا بالعقل و اما فيما يكون منفيّا بالعقل فلا يقبل التخصيص قطعا و ذلك تخصيص لا تخصّص ان كان مستنده الايات و مخصص ان كان مستنده العقل و الاجماع و الوجه واضح
الثانية [اذا وقع التعارض بين هذه القاعدة و غيرها من القواعد الشّرعية و الاصول العقلية]
فى بيان انه اذا وقع التعارض بين هذه القاعدة و غيرها من القواعد الشّرعية و الاصول العقلية هل العمل عليها او على معارضها من الاصول لا استنكال فى تقديم هذه القاعدة على الاصول سواء كان هو الاشتغال او الاستصحاب او غيرهما و ذلك لان هذه القاعدة واردة على تلك الاصول لانها تعليقية معلّقة على عدم وجود اليقين و هذه القاعدة تنجيزيّة فيكون دليلا واردا عليها و لا معارضة بينهما اصلا لان الادلة الدالة على اعتبار الاستصحاب مثلا معلّقة على عدم وجود اليقين و هذا الدّليل المعتبر من جانب الشّرع يقين و لان التعارض بينهما من قبيل تعارض العامين من وجه و قد ذكرنا سابقا ان العامين من وجه حكمها حكم العامين المطلقين اذا كان احدهما اقل افرادا و الاخر اكثر افرادا فنعمل فى الموضع التعارض بالاقل افرادا فاذا ثبت ذلك فيجب العمل بهذه القاعدة دون قاعدة الاشتغال و الاستصحاب لقلة موردها بالنّسبة اليهما و لانها موافقة لعمل الاصحاب فانّ بناء العلماء على تقديم هذه القاعدة على الاصول مع انها معتضدة بحكم العقل و مع انه لو نبينا الامر على تقديم الاصول على هذه القاعدة يلزم القول بتقديم الادلة الاجتهادية اللفظية عليها بطريق الاولى و الوجه واضح فلا يكون لتاسيس هذه القاعدة فايدة بل هو لغو اذ ليس لها مورد يرجع اليها مقام فيه الا لا يكون مخالفا لاصل من الاصول فاذن لا نحتاج الى تاسيس هذه القاعدة بل يكفينا تاسيس اصالة البرائة اللهمّ الا ان يق بكونها مثمرة لمن لم يقل بحجية اصالة البرائة بل قال بان الاصل هو الاحتياط هذه الصّورة التعارض بين هذه القاعدة و بين غيرها من الاصول و اما اذا وقع التعارض بينهما و بين الادلّة الاجتهادية فينقسم الى قسمين الاوّل ان يكون التّعارض بينهما من قبيل تعارض العامين المطلقين و الثانى ان يكون التعارض بينهما من قبيل تعارض العامّين من وجه مثل قوله اغتسل للجمعة فان النسبة بين هذه الخطاب و بين هذه القاعدة عموم من وجه مادة افتراق القاعدة نفى العسر و الحرج فى غير غسل الجمعة و مادة افتراق هذا الخطاب وجوب غسل الجمعة فى غير صورة استلزام الحرج و مادة الاجتماع هو غسل الجمعة المستلزم للعسر و الحرج فمقتضى القاعدة المذكورة هو عدم وجوبه و مقتضى هذا الخطاب هو وجوبه و لا ريب ان العمل بهذه القاعدة فى القسم الثانى و تقديمها على هذا الخطاب و امثاله معيّن و ذلك لوجوه الاوّل ان رفع اليد عن هذا الخطاب و امثاله تقييد و رفع اليد عن العمل بالقاعدة تخصيص و المعلوم عندنا ان ارتكاب الاول اولى من ارتكاب الثانى و الثّانى انه لو قلنا بالعمل بهذه الخطابات فى هذه الصورة لزم القول بالعمل بالخطابات و طرح العمل بالقاعدة فى القسم الاوّل ايض بطريق اولى فيلزم اما ان لا يكون للقاعدة مورد نعمل بها او يلزم تخصيص الاكثر فيها و لا ريب فى انه اذا دار الامر بين تخصيص الاكثر و الاقلّ فارتكاب الثانى اولى فكيف اذا كان الامر دايرا بينه و بين تقييد الاقل و الثالث ان هذه القاعدة معتضدة بعمل الاصحاب بها فى امثال هذه الموارد و الرابع انها معتضدة بالاعتبار العقلى و الخامس انها معتضدة بالاستقراء فانا نرى كثيرا رفع اليد عن هذه العمومات و الخطابات فى امثال هذه الموارد كما فى الشيخ و الشيخة فى الصوم و احكام التقية جميعا فانها شرعت لاجل الحذر عن لزوم العسر و الحرج