القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٤٤٥ - فى بيان معنى الوضع لغة و اصطلاحا
و الترتيب من الوضع الشخصى لم تتعرض له العلماء كما ان ارادة الامر الكلى المقول على الافراد من الوضع النوعى ايضا بعيد و هل الموضوع فى الوضع النوعى هو النوع المتصور او جزئياته اختلف فيه العلماء فقال سيّدنا بحر العلوم فى شرح الوافية بان الموضوع هو الافراد و الجزئيات و هو المختار لشريف العلماء عليه الرّحمة و اختاره الوالد العلامة ادام اللّه ايام اقادته بان الموضوع هو النوع المتصور احتج السيّد لمختاره على وجوه الاوّل التبادر اذ الظاهر المتبادر من شخص الضارب و القاتل و الفاضل و الناصر هو الذات المتصّف بالضرب و القتل و الفضل و النصرة و هو علامة لكون هذه الالفاظ حقيقة فيها من دون التفات الى النوع و اورد عليه بمنع التبادر بل الفهم انما يكون من جهة وجود الكلى فى ضمنها و انت خبير بانا نفهم من هذه الالفاظ هذه المعانى من دون التفات الى النوع و اورد عليه فضلا من كون التبادر من جهة وقوعه فى ضمنها و الثّانى انا نرى بالعيان و الوجدان كما هو ظاهر كلامهم ان المستعمل فى الوضع النوعى هو افراد النوع و جزئياته دون النوع و لا ريب ان استعمال الافراد على فرض عدم كونها موضوعاتا خارج عن الحقيقة و المجاز بيان ذلك ان الحقيقة هى اللفظ المستعمل فيما وضع هذا اللفظ له من حيث انه ما وضع له و المجاز هو المستعمل فى خلاف ما وضع هذا اللفظ له لعلاقة بينه و بين ما وضع له و قد عرفهما العلماء بما ذكرناه فقيد كون اللفظ موضوعا مأخوذ فى تعريف الحقيقة و المجاز و قد فرضنا ان الافراد ليست موضوعة لهذه المعانى فاذا كانت مستعملة فيها لم يكن حقيقة لانها ليست ما وضع له لهذه الالفاظ فليس بحقيقة و ليس هذا الاستعمال مجازا ايضا لان اللفظ ليس بموضوع و ليس العلاقة بين المعنى الحقيقى و المجازى لانتفاء المعنى الحقيقى بل هذا الاستعمال عكس المجاز فان الخروج عن الظاهر فى المجاز من جهة المعنى و فى هذا الاستعمال من جهة اللفظ و العلاقة المعتبرة فى المجاز بين المعنيين اى المستعمل فيه و فى هذا الاستعمال بين اللفظين اى المستعمل و الموضوع فيلزم خروج الاستعمال عن الحقيقة و المجاز و قد صرّح ائمة الادب ان الاستعمال الصحيح منحصر فى الحقيقة و المجاز و ايضا الواسطة بين الحقيقة و المجاز فى الاستعمال الصحيح ليست معهودة فى استعمالات العرب و لا منصوصة فى كلام ائمة الادب فان قلت كون هذا الاستعمال خارجا عن الحقيقة و المجاز غير مسلم لان المجاز هو استعمال اللفظ فيما لم يوضع له لاجل العلاقة و تقييد اللفظ بالموضوع و العلاقة بكونها بين المعنيين خلاف الظاهر فيتناول الحد اللفظ الغير الموضوع لاجل العلاقة بين المستعمل و الموضوع قلت ذلك مخالف لنصّ اللغويّين فانهم صرّحوا بان دلالة اللفظ من اقسام الدلالة الوضعيّة و عرفوا العلاقة المشروطة فيه بانها الايصال بين المستعمل فيه و الموضوع له و مخالف للاجماع و لمقالة الحضمين و لو كان العلاقة بين اللفظين كافيا فى صحة التجوز لزم صحّة استعمال كل من اللفظين المتشاكلين بل المتقاربين فى معنى الاخر لعلاقة المشابهة و كل لفظين احدهما جزء الأخر لعلاقة الكل و الجزء و بطلانه ضرورى و اجيب عنه بان المستعمل ليس افراد النوع بل المستعمل هو النوع لايق ان استعمال النوع بدون الفرد غير ممكن لانا نقول ان المقدور بالواسطة مقدور و المستعمل بالواسطة مستعمل و كون استعمال النوع مستلزما لاستعمال الفرد لا يوجب عدم كونه مستعملا و فيه ان المستعمل ليس الا الافراد و لم يلتفت الى النوع حتّى يستعمل و الثالث انه يلزم المجاز بدون الحقيقة اذ المستعمل فى الوضع النوعى ليس الا الفرد و لم يستعمل الكلى ابدا و قد اجيب عنه بما اجيب عن الثانى من ان المستعمل هو الكلى و ليس بمجاز و الرابع انه يلزم كثرة المجازات اذ الاوضاع النوعيّة كثيرة بل اكثر من ان تعد و تحصى و التزام المجاز و المخالفة فيها خروج عن الانصاف و بعيد عن السداد و خلاف عن الرشاد بل مخالف للاتفاق على ثبوت الحقيقة لتلك الالفاظ باسرها و فيه ما مرّ من الجواب عن الثانى و الثالث و الخامس انه يلزم عدم تحصيل المعنى من الافراد كالضارب مثلا فانه اذا لم تكن الهيئة الخاصّة موضوعة و كان الهيئة الكلية موضوعة لم يدل على الذات المتصف بالضرب مثلا لان الهيئة الكلية لم يوضع للدلالة على الذات المتصّف بمبدء الضّرب بل وضع للدلالة على ذات ما بلّت له المبدء فى الجملة و ح كان المستفاد من الضارب هذا المعنى و معنى الضرب فيصير المعنى ذات ما
ثبت له المبدء ضرب او يحصله لا من طريق الوضع بان يكون الهيئة الكلية موضوعة للدلالة على ذات ما ثبت له المبدء المقترن بها بخصوصه و على هذا المعنى متحصّل لا من طريق الوضع بل بواسطة مقدّمتين احدهما ان صيغة فاعل تدلّ على ذات ما له المبدء الخاصّ المقترن بها و الثانية ان ذلك المبدء المخصوص هو الضّرب فالعلم بان الضارب ذات ثبت له الضرب موقوف على العلم بهاتين المقدّمتين و بدونهما لا يحصل العلم و الجواب عنه ان المقدّمتين المذكورتين مركوذتان فى الذهن فلا بد منهما و استدل والدى العّلامة (دام ظله) العالى لوجوه الاول التبادر اذ الظاهر المتبادر من الهيئات الكليات هو المعانى فيجب كون الكليات موضوعات و يكشف عن ذلك انا نفهم من هيئة فاعل واقعة فى ضمن مادة لا نعلم منها معنى اما لعدم كونه موضوعا كدايز او لعدم العلم بلغته هو الذات المتصّف بالمبدء و فيه ان هذا التبادر ممنوع كيف و الحال ان الكلى ليس له وجود من حيث هو فى الخارج فكيف يتبادر منه المعنى و الثانى الاستقراء فانا راينا ان اكثر ما يتصور فى الوضع يجعل موضوعا و لا نعلم ان الموضوع بالوضع النوعى هل يكون المتصور فيه و هو النوع ام لا و الجواب انه ان اردت الاستقراء فى المتصورات التى تصوّرت فى الاوضاع الصّادرة منك فالحاق المتصور فى الوضع النوعى بمتصوراتك ليس الا القياس المحض و ان اردت الاستقراء فى المتصورات التى يكون للواضع و هذا الاستقراء و ان يوجب الحاق المشكوك الا ان العلم باحوال الواضع و بان اغلب متصوراته موضوع مما لا يمكن عادة فان قلت انا نفهم حال الواضع من حالنا فانا نقطع بان حال الواضع حالنا