القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٢٩٦ - اما المقام الثّالث وجود المنكر
اذ قد عرفت انه لا معنى للتفضّل الحتمى قبل صدور المعصية لكونه موجبا لارتكاب خلاف الغرض و هو قبيح فتدبّر فعلى هذا يستفاد من الاية نفى المقامات الثلثة جميعا اما الثانى و الثالث فظاهر و اما الاول فلما مرّ من الملازمة بين مدحه تع و ذمه و بين ثوابه و عقابه و دلت بمفهومها ان له تع ذلك بعد تبليغ الرسول الاحكام الى العباد و انما قلنا المراد ببعث الرسول هو تبليغه اذ البعث بدون التبليغ كعدمه فلا معنى للتفرقة بين الزمانين و الحكم باستحقاق العقاب فى زمان دون اخر مع تساويهما فان المفهوم تدلّ على ان بعد ذلك له ان يعاقب فيحصل الاستحقاق للعباد ايض اما عموما اى فى كل شئ و فى كل زمان و هكذا ان قلنا بعموم المفهوم او فى الجملة ان قلنا بانه رفع للمنطوق و كيف كان لا نقص فى دلالة الاية على نفى الاستحقاق كما ذكرنا و قد اورد عليه او لا بان نفى العذاب و ان كان مطلقا و مقتضاه نفى العذاب الدنيوى و الاخروى معا الا ان جماعة من المفسرين قالوا ان المراد به هو نفى العذاب الدنيوى لا الاخروىّ و لا الاعم و لما كان الاية من الخطابات الشفاهيّة فلا بدّ من تحصيل فهم المخاطبين و لا ريب ان المفسرين بذلوا جهدهم فى تحصيل فهمهم و المراد من الاية فلا يقولون بالتقييد الا عن مستند فان لم يحصل الظن من قولهم بان المراد هو نفى العذاب الدنيوى فلا اقل من عدم حصول الظن بالاطلاق سيما بعد ملاحظة قرب عهدهم بالنسبة الى المشافهين و سيّما بعد ملاحظة الاخبار الدالة على تعذيب الوثنى و اهل الفترة بشركهم و كفرهم و سيما ايض بعد ملاحظة استقرار عادته على العذاب فى الدنيا ايض كما بالنسبة الى الامم السابقة و سيما ايض بعد ملاحظة ذيل الاية فان فيه ايض اشعارا بذلك و بالجملة بعد ملاحظة المذكورات لا يكون الاطلاق مظنونا فلا يتم الاستدلال اذ نفى الاخص لا يستلزم نفى الاعم و ثانيا ان الاية منصرفة الى غير ما نحن فيه اى ما يستقل به العقل لان الحمل على العموم موقوف على عدم وجود الافراد الشايعة لان افادة حذف المتعلق العموم من قبيل المطلقات و افادتها العموم فكما ان هذا موقوف على عدم التشكيك فكذا ذلك و معلوم ان التشكيك حاصل فان ما يستقل بحكمه العقل بالنسبة الى ما لا يستقل فى غاية الندرة و لذا اطلق فى نفى العذاب و منع الانصراف لا وجه له مع وجود التشكيك انظر الى المثال العرفى و هو انه لو قال السّيد لعبده ليس لى ان اعذّبك على شئ حتى وصل اليك منى خطاب لا يجوز للعبد قتل ابن سيّده و لو قتله عمد الا استحق العذاب من السّيد و لا يكون السّيد فى عقابه محلا لذمة العقلاء و لو اعتذر العبد بذلك و قبل السيّد اعتذاره لعد سفيها عند اهل اللسان و عند العقلاء بلا تامل و خفاء و ثالثا ان هذه الاية بعد فرض تسليم دلالتها معارضة بالاية الشريفة لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ بيان المعارضة ان الاية الاولى تدل على نفى العذاب قبل بعثة الرّسول و انكان فيه البينة العقلية و هذه الاية تدل على ان الهلاك و العذاب بعد وجود البينة و ان لم يكن رسولا نظرا الى العلة المنصوصة فان علة نفى الهلاك هو وجود البينة فاذا تحقق هذه العلة يتحقق المعلوم و التعارض بينهما من قبيل تعارض العامين من وجه مادة الاجتماع هو ما يستقل بحكمه العقل فان الاولى تدل على نفى العذاب فيه قبل البعث و الثانية تدل على ان الهلاك يتحقق به ايض لكونه بينة مادة افتراق الاولى هو ما لا يستقل بحكمه العقل فانها تدل على نفى العذاب و فيه لا تنفيه الثانية و لا تثبته ايض و مادة افتراق الثانية هو استحقاق العذاب بعد بعث الرسول فانها يشمله و اما المنطوق الاولى فلا و ان كان مفهومها شاملا له فلا بد من الرجوع الى المرجّحات الخارجيّة ان قد بين فى مقامه انتفاء المرجّحات الداخلية فان لم يكن للثانية موجودا فلا اقل من التساوى و به يسقط هذا الاستدلال و وجه توهم وجود المرجّح للثانية هو ان العلّة المنصوصة اذ التعارض مع غيرها فبناء العرف على اعتبارها و تقديمها على معارضها و انكان العلة خاصّا او عاما او يكون النسبة بينهما عموم من وجه نحو قول القائل لا تاكل الرمان لكونه حامضا فانه يفهم منه انه لا يجوز اكل الحامض و ان كان غير رمان بمقتضى منطوق العلة و جواز اكل غير الحامض و
ان كان رمانا بمقتضى مفهوم العلة فالحكم داير مدار العلة و ان كان متعلق الحكم خاصّا و لذا يحكم فى المثال المخصوص بعدم جواز كل غير الرمان و انتفائه مدار انتفائه و لذا يحكم بجواز اكل الرمان اذا لم يكن حامضا مع ان مقتضى صدر الكلام هو عدم الجواز و ان لم يكن حامضا فان قلت بعد ما قرّرت من بناء العرف على تقديم العلة منطوقا و مفهوما على غيره فلم جعلته توهما قلت ما قررته من بناء العرف انما هو فى صورة اتصال العلة بالكلام و اما فى غير صورة الاتصال فلا بناء لهم فيجب التوقف الى المرجحات الخارجية كما هو شان العامين من وجه فتدبّر و رابعا ان بعد فرض تمامية دلالتها لا يقاوم الدليل القطعى فى المقامات الثلثة بل الضرورة و البداهة كما مر و انت خبير بان الاية لا تصلح لرفع القطع فى نحو قبح الظلم و حسن ردّ الوديعة فان القبح فى الاول و الحسن فى الثانى تنجيزى قطعى لا يجوز تعليقه عند العقل على شئ و ذلك مثل قتل ابن السيّد فكما انه ليس للعبد الاقدام على قتله مع قوله المذكور فكذا ليس لنا ارتكاب القبايح العقلية بمجرّد ورود الاية الشريفة و منها قوله (ع) كل شئ مطلق حتى يرد فيه امر او نهى معناه ان كل شئ مرخص فيه و لم يكن مقيدا بامر و لا نهى حتى يرد فيه الامر او النهى وجه الدلالة ان الرواية بعمومها شاملة لما يستقل فيه العقل لان المفروض انه لم يرد فيه امر و لا نهى فح يترتب قياس هكذا هذا الشئ مما لم يرد فيه امر و لا نهى و كلما كان كك فهو مرخّص فيه و غير مقيد بشئ من الامر و النهى فهذا الشئ مرخصا فيه اما الصغرى فللفرض اما الكبرى فللرواية فبعد ملاحظة هذه الرواية يرتفع القطع باستحقاق الثواب و العقاب عنده تع فان قلت نمنع الصّغرى اما اولا فلما قررناه فى محله ان الامر و النهى لم يكونا مختصين بالالفاظ بل الامر حقيقة فى المطلب الحتمى من العالى من دون استدناء و فى مقابله النهى فلا يكون الرواية منافية لحكم العقل حتى يرتفع بسببها اذ الرواية دلت على ان ما لم يرد فيه الامر مطلق و لا تدل على ان ما ورد فيه الامر ايض بل مطلق تدل على انه ليس بمطلق فيمكن التمسّك بمفهوم الرواية بعد فرض كون الامر و النهى حقيقة فى الاعم من الحكم العقلى و اما ثانيا فلاحتمال ورود الامر فيه فى الواقع و عدم علمنا لا يوجب عدمه فكيف يحكم بانه مما لم يرد فيه امر و لا نهى قلت نحن و ان قلنا بكون الامر حقيقة فى الاعم و لكنه بالنسبة اليه مشكّك بالتشكيك المبين العدم فيكون المراد به غيره و المراد من الورود هو الورود الينا لا الواقعى و لا الاعم و بعبارة اخرى هو الوصول و البلوغ فالاولى فى الجواب هو القدح فى الكبرى اما اولا فبعدم اعتبار الرواية لان المسئلة اصولية و الظن فيها ليس بحجة و اما ثانيا فلعدم الدلالة لانها منصرفة الى غير ما يستقل بحكمه العقل لكونه فردا نادرا فى نهاية القلة و الرواية قد وردت لبيان الغالب و لذا اطلق و لم يقيد فان قلت ما ذكرته من الانصراف انما هو فى المطلقات لا فى العمومات كما هو مبرهن فى مقامه قلت