القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٢٩٥ - اما المقام الثّالث وجود المنكر
و قد مر كلاما منك فى حجيّة الظن يناسب هذا فلا يلزم خلاف الفرض لانا نقول ان المفروض ان العقل حاكم باستحقاق العقاب على الظلم فى الواقع و الظ و ان الحكم الظاهرى مطابق للواقعى مع ان تخلف العلم بحكم اللّه الواقع عن الظاهرى باطل عندنا بالادلّة القاطعة لان ما ثبت قطعا انه حكم الله الواقعى فهو حكم لنا فى الظاهر بالاجماع و الاخبار و غير ذلك و الفرق بين ما تقدم منا من عدم اعتبار الظن القياسى و هذا فى كمال الوضوح فتبصر و الثانى انه لو لم يكن ادراك الثواب و العقاب بواسطة العقل معتبرا لما كان ادراكهما بواسطة الخطابات الشّرعية معتبرا ايض لان اعتبار ذلك اما بالعقل او بالشرع و الاول مفروض الانتفاء و الثانى اما يستلزم الدّور او التسلسل كما هو واضح و الثالث ان القطع اما لا يكون معتبرا اصلا او يكون معتبرا اذا كان حاصلا من الادلة الشّرعية بلا واسطة كالاخبار و الايات و الاجماع او يكون معتبرا اذا كان حاصلا من الاسباب التى دلت الادلّة الشّرعية على اعتبارها ايض او يكون معتبرا فيما اذا كشف الشرع عن اعتباره و ان لم يكن الشرع سببا لاعتباره او يكون معتبرا بنفسه و لا يحتاج اعتباره الى قيد و الاحتمالات كلّها باطلة الا الاخير اما الاول فظ لا يحتاج الى البيان اذ هو مستلزم لسدّ باب التكاليف و اما الثانى فلما ثبت من تعذيب الوثنى بعبادة الاوثان باتفاق منّا و من الخصم و بالاخبار الواردة الدّالة باطلاقها على تعذيب الكفار بشركهم و كفرهم الشاملة لاهل الفترة و غيرهم و اما الثالث فلما ذكر فى الثانى بيان ذلك انّ تلك الاخبار تدل على تعذيب الوثنى و اهل الفترة بشركهم و كفرهم و لا ريب ان التكليف بما لا يطاق غير جايز فمعلوم ان لهم دليل على قبح الشرك و عبادة الاوثان و ليس ذلك الا العقل فاذا ثبت ذلك فمعلوم انه لا دليل شرعىّ لهم يدل على اعتباره لهم لان ما يتصور كونه دليلا لهم على اعتبارهم العقل ليس الا تلك الاخبار و عدم كونها دليلا معلوم لانه لا يتصور كون اللاحق دليلا للسابق مع انه دور او تسلسل و اما الرابع فلانّ هذا الكشف لنا لا لاهل الفترة و الوثنى فيجرى فيه الكلام السابق فى سابقه مع ان الفرض ان الشرع كاشف للاعتبار لا مثبت له فبدون كشف الشرع هو معتبر ايضا فالتفرقة بينه و بين غيره و احتمال مدخلية خصوصيّة المحلّ غير متطرق قطعا فتعيّن ان يكون هو الخامس و باثباته ثبت المط و الرابع انه لو لم يكن العقل معتبرا لما كان معرفة اللّه و معرفة الرسول واجبة بالوجوب الشرعى بيان الملازمه ان الاحتمالات الخمسة المتقدمة هيهنا تصورة الاربعة الباطلة باطلة لان الاول منها باطل بما مر و الثانى ايض كك الى كونه مستلزما للدّور او التسلسل او تحصيل الحاصل فى المقام و كذا الاخير ان باطلان بما مر بهذا الوجه فتعين ان يكون هو الخامس و باثباته يثبت المط و بعبارة اخصر و تقرير احسن انه لو لم يكن ادراك العقل و الثواب و العقاب معتبرا للزم ان لا يكون لمعرفة واجبة لان الدليل الدال على الوجوب اما العقل او النقل و الاول مفروض العدم و الثانى مستلزم لاحد من الاحتمالات الثلثة و كلها باطلة فتعيّن ان يكون بالعقل و هو المط و قد عرفت ان هذا الوجه مثبت للمقام الثانى ايض بل هو مثبت للاول ايض كما لا يخفى و الخامس الاية الشريفة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ يَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وجه الدلالة ان الفحشاء هى القبايح بتصريح اهل اللغة فكلما يصدق انه قبيح و منكر عند العقلاء يكون منهيّا عنه عند الشارع للاية الشريفة فانها ليست باخبار بل هى انشاء لحكم القبايح فان قلت ان الفحشا يطلق على ما ليس بقبيح عقلى ايض فلو كانت الاية الشريفة انشاء لحكم الفحشاء لزم ان يصير غير الحرام حراما قلت لا نم صدق الفاحشة على ما ليس بقبيح عقلى و على فرض التسليم فلا شك فى صدق الفاحشة على ما نحن فيه خرج ما خرج بالدليل و بقى الباقى تحت عموم اللفظ و لا يذهب عليك ان الاية بهذا المعنى لا يكون دليلا على ان الحكم العقلى بالثواب و العقاب معتبر بل يدل على ان القبيح و المنكر عند الشارع منهىّ عنه فيكون دليلا شرعيّا بلا واسطة على حكم القبايح و يظهر الثمرة بين المعنيين [١] لمن لم يكن بادراك العقل الثواب و العقاب مع قوله بادراك المدح و الذم و بعبارة اخرى بادراك الحسن و القبح كاصحابنا الاخباريين و لا
يخفى ان الاية تدل على ان للاشياء قبل ورود الشرع فى حد ذاتها صفاتا كامنة و تدل ايض على ان احكام اللّه تع تابعة لتلك الصفات و ان افعاله تع معلّلة بالاغراض بل يستفاد منه ان العقل مدرك للحسن و القبح ايض لان الظاهر من الفحشاء بعد ملاحظة اتيان المنكر بعده انما هو فحشاء و منكر عندكم يكون منهيا عنه من جانبه تع و الا لزم [٢] ان يكون ذكر المنكر بعده بيانا و تاكيدا و التاسيس اولى من التاكيد مع انه خلاف لظاهر لفظ المنكر فان الظاهر منه هو الظاهر عند المخاطبين فت لا يق لا تدل الاية على ان الفحشاء و القبايح العقلية منهىّ عنها بل تدل على ان الفحشاء و المنكر فى الشرايع السابقة منهىّ عنها فى هذه الشريعة و لا اقل من احتماله احتمالا مساويا و معه لا يصحّ الاستدلال لانا نقول هذا خلاف الظاهر فان الظاهر من الجمع المحلى هو العموم و حمله على العهد او تخصيصه بما ذكرت خلاف الظ و لا يجوز ارتكابه من دون دليل مع انك قد عرفت انّ الظاهر من الفحشاء و المنكر هو الفحشاء عند المخاطبين بقرينة ذكر المنكر فثبت ممّا ذكرنا المقامات الثلثة و لكن لما كان للقائل ان يق ان ما ذكرته مع قطع النظر عن ورود الشرع تامّ و لكن بعد وروده و كشفه عن عدم اعتباره لا يكون معتبرا لا بمعنى ان القطع باق و لا يكون معتبرا بواسطة الدليل الشرع بمعنى ان ملاحظة تلك الادلة يرتفع القطع باستحقاق الثواب و العقاب و هو المقام الثانى نظير رواية ابان فى دية الاصبع فلا بد لنا من ذكر الادلة المذكورة و جرحها و تعديلها و بيان عدم منافاتها لمطلبنا فمنها الاية الشريفة وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وجه الدلالة ان الاية الشريفة دلت بمنطوقها على انه لم يكن من شانه تع تعذيب احد من العباد فى شئ من الاشياء و فعل من الافعال نظرا الى ان حذف المتعلق فى المقامين مفيد للعموم اما بقاعدة الحكمة او بالفهم العرفى بنوع من انواع العذاب دنيويا كان او اخرويا نظرا الى نفى الجنس و يمكن اثبات التعميم فى الاولين بهذا ايض قبل بعث الرسول و قد يفسر الاية بانه ليس له تع ذلك كما يستفاد من كلمة و ما كنا فانها تدلّ على الاستمرار فيفهم من الاية الشريفة عدم الاستحقاق ايض فلا يرد ما اورده بعض من ان الاية ينفى العذاب لا الاستحقاق و المراد اثبات الثانى لا الاول ولى فى دلالة ذلك على نفى الاستحقاق تامّل و الوجه واضح اذ الاستمرار على عدم العذاب يحتمل ان يكون لاجل التفضّل و الامتنان على العباد كما يحتمل ان يكون لاجل عدم الاستحقاق ايض و الاول اظهر لكونه تع فى مقام الامتثال مع ان احتماله للساوى كاف فى القدح فى الاستدلال نعم يمكن ان يق ان نفى العذاب باخباره تع موجب للتجرى فى ارتكاب القبايح و ارتكاب خلاف غرضه اذ معلوم ان ما يستحق فاعله العذاب يكون مقصوده تع تركه و يكون فعله مخالفا لغرضه و هو قبيح لا يصدر عن الحكيم على الاطلاق فظهر ان نفى العذاب انما هو لاجل عدم الاستحقاق لا لاجل التفضّل
[١] الواردين فى الاية و على اعتبار العقل و من كونه دليلا بلا واسطة على بيان حكم القبايح منه زيد عمره و فضله
[٢] قوله و الا لزم اه اى و ان لم يكن المراد من الفحشاء و المنكر هو الفحشاء و المنكر عند الناس و المخاطبين بل ما كان فحشاء و منكر عنده و هو الواقع فهو منهى عنه فيلزم ما ذكرنا فى المتن فتدبر منه دام مجده و زيد فضله و عمره