القواعد الشريفة - الجابلقي، الشيخ محمد شفيع - الصفحة ٢٢٩ - فى تاسيس الاصل التكليفى
للعلم فيكونون متعبّدين بالظنّ و بالجملة انكار ذلك مع وقوعه فى الشّريعة كثيرا لا وجه له فت اذا عرفت هذا انّ مقتضى الاصل الاولى هو حرمة العمل بالظن فاعلم انه ذهب بعض الى انقلابه بالاصل الثانوى الذى هو الوجوب بالكلية فالاصل فى كل ظن لم يدل الدليل القاطع على حرمته هو وجوب العمل به و ذهب بعض اخر الى انقلابه فى الجملة بمعنى انّه يقول الاصل الاولى باق على حاله ففى كلّ مقام دعت الضّرورة الخروج عن تحت هذا الاصل خرجنا عنه كما فى الاحكام الفرعيّة و اما فى المقام الذى لم يكن الضّرورة داعيه الى العمل بالظن كما فى المسائل الاصولية و الموضوعات الاستنباطية و الموضوعات الصّرفة كما هو مختار سيّد الاساتيد فلا يجوز العمل بالظن بمقتضى الاصل الاولى فيها و الحق عدم انقلابه بالكليّة بل يجب الاقتصار على مورد دعاء الضّرورة كما هو مختار الفاضل الاستاد (دام ظله) اعلم انّ الكلام فى الاصل الثانوى يقع فى مقامات ستّة الاول فى حجيّة الظن فى الاحكام الفرعيّة و الثانى فى حجيتها فى المسائل الاصولية و الثالث فى حجيّتها فى المسائل الاصولية الاعتقادية و العملية و الرابع فى حجيّتها فى المسائل المشتبهة بين الاولين و الخامس فى حجيّته فى الموضوعات المستنبطة و السادس فى حجيّته فى الموضوعات الصّرفة اما الاول فالحق ان الظنّ فيها حجّة و مدارك حجيّتها فيها خمسة الاوّل الدّليل العقلى المشهور بدليل الرابع و الكلام فيه يقع فى مقامات ثمانية الاوّل فى ردّ الاخباريّين فى انّ باب العلم منسّد ام لا و الثانى فى ردّ من ادّعى حجيّة بعض الظنون بالدليل الشرعىّ الوارد على خصوصه كخبر الواحد كما هو المنسوب الى اكثر علمائنا و الثالث فى ردّ من قال بوجوب الرّجوع الى اصالة البرائة بعد انسداد باب العلم كما هو ظاهر كلام جمال الدّين الخوانسارى و الرّابع فى ردّ المحتاط و الخامس فى تعميم الاسباب و السّادس فى تعميم الموارد و السّابع فى تعارض الظنّ الشخصى و النّوعى و الثامن فى تحصيل الظنّ الاقوى فلنقرّر الدليل على المطلوب اولا ثم نشرع فى التكلم فى المقامات فنقول هذا الدليل مركب من مقدمات ثلث فى اثبات حجيّة الظنّ فى الجملة فى مقابل السّلب الكلى و منها و من مقدّمة اخرى فى اثبات التعميم اسبابا ام موردا و المقدمة الاولى من هذه المقدمات هى انه لا شك و لا ريب فى ان اللّه تع على المخاطبين و المشافهين و الحاضرين احكاما من الواجبات و المحرّمات بالضّرورة من الدّين و بينها للنبى (ص) و بيّنها النبى لهم و ابلغ الاحكام الضّرورية لهم جميعا اليهم بل نقول بين اللّه تع حكم كل شىء للنبى (ص) و بين النبى (ص) الاحكام الضّرورية للعباد لهم و اودع الباقى عند الحفظة و الخزنة حتى بينوا للناس بمرور الدّهور بمقتضى احتياجهم و كيف ما كان فلا شكّ فيما ذكر من انّ اللّه تع واجبات و محرّمات عليهم و بينها لهم و ايض معلوم بالاجماع و البداهة انا مشاركون لهم فى نفس تلك التكاليف و يجب علينا تحصيلها و العمل بمقتضاها و المقدّمة الثانية و باثباتها يظهر المقامان الاوّلان من المقامات الثمانية و هى ان باب العلم باكثر هذه التكاليف لنا منسد بلا واسطة و معها لان الادلة منحصرة فى الاربعة و لا يحصل العلم باكثر الاحكام منها اما الكتاب العزيز فلانه لا يستفاد منه الا اقل قليل من الاحكام المعلومة بالضّرورة على سبيل الاجمال و لا يستفاد منه تفاصيل شىء لا من العبادات و لا من المعاملات و ذلك غير خفى على المتشرع الخبير مع انه لا يفيد الا الظنّ و كون هذا الظنّ معلوم الحجيّة محل كلام و مناقشته و سنتكلم فيه عن قريب و اما الاجماع فهو على قسمين قطعىّ و ظنى و الاوّل ايض على قسمين ضرورى و نظرىّ و لا ريب ان الاول منهما قليل لا يستفاد منه ايض الا بعض الاحكام على سبيل الاجمال كالاجماع على ان الصّلوة واجبة و على انّ الزكوة واجبة و على ان الصوم واجب و هكذا و لا يستفاد منه تفصيل شىء من الاحكام و الثانى منهما و ان كان اكثر منه و لكنه قليل ايض كيف و قد احال تحققه بعض المحققين فى هذا الزمان كما اشرنا اليه مع انه لم يتم به شىء من العبادات و المعاملات و بالجملة قلة الاجماع القطعى و عدم كفايته لشىء من العبادات و المعاملات غير خفية على المتشرّع الخبير سواء فى ذلك المحصّل و المنقول بالتواتر و الظنّى منه لا دليل قطعىّ يدل على اعتباره بالخصوص حتّى يصير علما بواسطة و اما الاخبار فالمتواتر منه فى نهاية القلة و
كذا الاحاد المحفوفة بالقراين القطعية مع ان كون الظنّ الحاصل من الخبر المتواتر اللفظى و كذا المحفوف بالقرينة الصّدورية من المقطوع الاعتبار محلّ تامّل و شبهة و الاحاد منه لا دليل قطعىّ يدل على اعتبارها بالخصوص كما سياتى الاشارة اليه انش و اما العقل المستقل القطعى فموارده فى نهاية القلة مع ان ما يكون العقل فيه مستقلا وصل حكمها من الشرع بالخصوص كقبح الظلم و حسن رد الوديعة و غير ذلك مما يستقل فيه العقل حتّى ان بعض الفضلاء نفى الثمرة فى النزاع فى هذه المسئلة لذلك و اما الظنى منه فقسم منه مقطوع بحرمة العمل به كالقياس و اخواته و قسم منه لم يعلم بحرمة العمل به و لكن ليس دليل قطعى على اعتباره كالاستصحاب و غيره من الأصول العقلية حتى يصير علما بالواسطة و بالجملة انسداد باب العلم بالاحكام الشرعية مما لا خفاء فيه على احد من اولى الالباب و لما قلنا ان حجية ظاهر الكتاب مقطوع عندنا فنشير الى مدركه اجمالا فنقول يحصل لنا القطع من تراكم الظنون بذلك و اسباب الظنّ متعدّدة الاول ذهاب المعظم الى ذلك فانه لا شك فى افادته الظنّ ان لم ندع افادته القطع كما ادعاه بعض الثانى احتجاج اصحاب النبى (ص) و الائمة فى مقام المخاصمة و المنازعة فى مسئلة بالايات و سكوت الخصم و قبوله و عدم رده بان ظاهر الكتاب لم يكن حجة بدون تفسير المعص (ع) لانا نفهم ان مراده تع منه بدون تفسير المعص و لو لم يكن ظاهر الكتاب حجة لما كان الامر كك فيحصل الظنّ منه بحجيته عندهم بدون تفسيره و تقرير المعص لهم و عدم ردعه اياهم يكشف عن عدم خطائهم فان قلت لا نم تقرير المعص اياهم بل نهاهم عن ذلك و قال ان تفسير القران بالراى غير جايز و كذا قال ان علم الكتاب منحصر فيهم (ع) و الاخبار الواردة بهذا المضمون كثيرة حتى ادعى تواترها فكيف نقول بتقريره و عدم ردعه قلت نحن نقول بمضمون هذه الاخبار و اما ما دلّ منها على انحصار علم الكتاب فيهم فالمراد منها ان علم جميع القران منحصر فيهم و هو مسلم و لا يضر بالقول بحجية الظواهر و النّصوص و فهمها لانه لا منافاة بين انحصار علم الجميع فيهم و فهم الغير بعضه و اما ما دل على عدم جواز التفسير بالراى فلا منافاة بينها و بين القول بحجيّة الظواهر فان التفسير بالراى هو ان يفسّر القران على مقتضى اشتهاء نفسه مخالفا لللغة و العرف و اما العمل بالظاهر الذى هو الظ عند اهل العرف و العادة