الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٩٧ - التعجيز بين القدرة الشرعيّة و العقلية
و قد تقدّم نظير هذا البحث في مقدّمة الواجب، حيث قلنا إنّ القاعدة تقتضي عدم مسئوليّة المكلّف عن المقدّمات المفوّتة قبل فعليّة الوجوب. نعم، إذا كانت مفوّتة دائماً فقد أفتى الفقهاء بوجوب تحصيلها، و ذكرنا أنّ هذا الإفتاء بحاجة إلى تفسير و تخريج فنّي أصوليّ، فراجع.
التعجيز بين القدرة الشرعيّة و العقلية
انتهينا إلى جواز تعجيز المكلّف نفسه عقلًا فيما إذا كان التعجيز قبل فعليّة الوجوب، إلّا أنّ هناك بعض الأصوليّين حاولوا أن يفرّقوا بين ما إذا كان دخل القدرة في التكليف شرعيّاً أو عقليّاً، بجواز التعجيز في الأوّل دون الثاني.
بيان ذلك: أوضحا سابقاً الفرق بين القدرة الشرعية و العقلية، و قلنا إنّ القدرة إن أُخذت قيداً في الملاك من قبل الشارع بنحو ينتفي الملاك عند عجز المكلّف فالقدرة شرعية، و إن لم تؤخذ قيداً في الملاك و كان شاملًا للقادر و العاجز فالقدرة عقلية، أي: أنّ العقل هو الذي يشترطها و يقيّد التكليف بها؛ نظراً لاستحالة انبعاث العاجز و تحرّكه نحو أمر غير مقدور.
و على أيّ حال، فبعض الأصوليّين يقولون: إن كان دخل القدرة في الملاك شرعيّاً فلا محذور في أن يعجّز المكلّف نفسه قبل فعليّة الوجوب و يريق الماء الموجود عنده؛ إذ عند مجيء الزوال لا ملاك في حقّ العاجز؛ لاختصاصه بالقادر حسبما هو مذكور في معنى القدرة الشرعية، و بعد عدم شمول الملاك للعاجز في وقته يجوز له تعجيز نفسه قبل الزوال و إراقة الماء.
و أمّا إذا كان دخل القدرة في الملاك عقلياً فلا يجوز له تعجيز نفسه قبل الزوال؛ لإطلاق الملاك و شموله للقادر و العاجز. فإنّ العقل يحكم بقبح
تفويت الملاك الثابت في حقّه حتّى مع إراقته الماء و تعجيزه نفسه، كما هو