شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٠٨ - الفصل السّادس فى تحقيق الكليّة السّالبة فى الجهات
قال [١]: «و أمّا فى الضّرورة فلا بعد بين [٢] الجهتين»
إلى آخره؛ أقول: لمّا بيّن أنّ قولنا:
لا شىء من ج ب يوهم الدّوام، و قولنا: كلّ ج يكون ليس ب لا يوهم ذلك، بيّن أنّ هذا الفرق أنّما يظهر كلّ الظّهور فى المطلقة. فأمّا [٣] الضروريّة فذلك ممّا لا يتحقّق فيها [٤]، إذ الضّرورة لا يعقل إلّا مع الدّوام. و عند ذلك حاول إظهار الفرق بين هاتين اللّفظتين فى الضّرورى من وجه آخر، لكن [٥] ذلك لا يتمّ إلّا بتقديم مقدّمة و هى أنّ حقّ الجهة أن تكون متقدّمة على الرّابطة متّصلة بها، لأنّها صفة لذلك الارتباط دالّة على تأكّده [٦] أو ضعفه، فيقال [٧]: كلّ إنسان يجب أن يكون حيوانا، كلّ إنسان يمتنع أن يكون حجرا [٨]، كلّ إنسان ممكن [٩] أن يكون كاتبا، و فى السّلب أن يقال: كلّ إنسان يمكن أن لا يكون كاتبا، و كذلك فى جميع الجهات. لكنّ المستعمل فى اللّغات تقديم الجهة على الموضوع و الرابطة و المحمول جميعا، فيقال: يمكن أن لا يكون [١٠] أحد [١١] من النّاس كاتبا.
ثمّ إنّ الجهة إذا أزيلت عن موضعها إلى جانب الموضوع تصير الجهة جهة التعميم [١٢] و التخصيص لا جهة الرّبط [١٣]، و يصير المعنى أنّ كون جميع النّاس بأسرهم كاتبا ممكن. و إذا كانت الجهة جهة [١٤] الرّبط [١٥] كان المعنى أنّ كلّ واحد واحد [١٦] من النّاس يمكن أن يكون كاتبا، و بين المعنيين فرق، لأنّ الأوّل مشكوك فيه عند الجمهور فإنّ من النّاس من يقول:
محال أن يكون كلّ النّاس كاتبين حتّى لا يوجد واحد [١٧] إلّا و هو كاتب. و الثّانى غير مشكوك فيه و المعنى الواحد لا يكون معلوما و غير معلوم. فظهر أنّ الجهة إن كانت متقدّمة على الموضوع كانت جهة [١٨] للعموم و [١٩] لم يكن تناولها للآحاد إلّا بالقوّة، و إذا كانت متأخّرة عنه
[١] - قال: قوله ه؛ ت.
[٢] - بين: فى ج.
[٣] - فأمّا: أمّا مج.
[٤] - فيها: فيه ه؛ ج؛ ت؛ آ.
[٥] - لكن: و لكن ت.: و ه.
[٦] - تأكّده: تأكيده ت.
[٧] - فيقال: فقال مج.
[٨] - حجرا: كل حجر ت.
[٩] - ممكن: يمكن ت؛ م.
[١٠] - كاتبا و كذلك ... لا يكون: ثابتة على الهامش م.
[١١] - أحد: واحد ه؛ ت.: كل واحد آ.
[١٢] - التعميم: للتعميم م.
[١٣] - الربط: الرابطة ه؛ ت.
[١٤] - جهة:- ت.
[١٥] - الربط: للربط م.
[١٦] - واحد:- ه.
[١٧] - واحد: انسان واحد ه. (ثابتة على الهامش بخط جديد).
[١٨] - جهة: الجهة ت.
[١٩] - و:+ إن ج.