شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٥٧ - فصل فى أنّ أصناف القضايا أربعة مسلّمات و مظنونات و مشبّهات و مخيّلات و تحقيق أقسامها
لا ينعكس. فقد فرغنا من أصناف المعتقدات من جملة المسلّمات.
و أمّا المأخوذات فمنها مقبولات، و منها تقريريّات. و أمّا المقبولات من جملة المأخوذات [١] فهى آراء مأخوذة عن جماعة كثيرة من أهل التّحصيل، أو من نفر، أو من إمام يحسن به الظنّ. و أمّا التقريريّات فإنّها المقدّمات المأخوذة بحسب تسليم المخاطب، أو الّتى يلزم قبولها و الإقرار بها فى مبادى العلوم، إمّا مع استنكار ما و تسمّى مصادرات، و إمّا مع مسامحة ما و طيب نفس و تسمّى [٢] أصولا موضوعة، و لهذه موضع منتظر.
و أمّا المظنونات فهى أقاويل و قضايا و إن كان يستعملها المحتجّ جزما فإنّه إنّما يتبع [٣] فيها مع نفسه غالب الظنّ من دون أن يكون جزم العقل [٤] منصرفا عن مقابلها، و صنف من جملتها المشهورات بحسب بادى الرّأى غير المتعقّب و هى الّتى تغافص الذّهن فتشغله عن أن يفطن الذّهن لكونها مظنونة أو كونها مخالفة للشّهرة إلى ثانى الحال، فكأنّ [٥] النّفس تذعن لها فى أوّل ما تطّلع عليها، فإن رجعت إلى ذاتها عاد ذلك الاذعان ظنّا أو تكذيبا. و أعنى بالظنّ هيهنا ميلا من النّفس مع شعور بإمكان المقابل، و من هذه المقدّمات قول القائل: أنصر أخاك ظالما أو مظلوما. و قد تدخل المقبولات فى المظنونات إذا كان الاعتبار من جهة ميل النفس يقع هناك مع شعور بالمقابل.
و أمّا المشبّهات فهى الّتى تشبه شيئا من الأوّليّات و ما معها، أو من المشهورات، و لا تكون هى هى بأعيانها. و ذلك الاشتباه يكون إمّا بتوسّط اللّفظ، و إمّا بتوسّط المعنى. و الّذى يكون بتوسّط اللّفظ فهو أن يكون اللّفظ فيهما واحدا و المعنى مختلفا، و قد يكون المعنى مختلفا بحسب وضع اللّفظ فى نفسه، كما يكون فى المفهوم من لفظة العين. و ربّما خفى ذلك جدّا كما يخفى فى النّور إذا أخذ تارة بمعنى البصر و أخرى بمعنى الحقّ عند العقل، و قد يكون بحسب ما يعرض للّفظ فى تركيبه: إمّا فى نفس تركيبه، مثل قول القائل:
[١] - فمنها مقبولات ... المأخوذات:- م.
[٢] - مصادرات و إمّا ... تسمّى:- م.
[٣] - يتبع: يدمع م.
[٤] - العقل: العقد م.
[٥] - فكأنّ: و كأنّ م.