شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢١ - الفصل الثّالث فى لزوم رعاية المنطقى جانب اللّفظ
[الفصل الثّالث] [فى لزوم رعاية المنطقى جانب اللّفظ]
إشارة: و لأنّ بين اللّفظ و المعنى علاقة مّا، و ربّما اثّرت أحوال فى اللّفظ فى أحوال فى المعنى، فلذلك يلزم المنطقى أيضا أن يراعى جانب اللّفظ المطلق من حيث ذلك غير مقيّد بلغة قوم دون قوم إلّا فيما يقلّ.
أقول [١]: للأشياء أربع مراتب فى الوجود: الوجود الخارجى، و الذّهنى، و اللّفظى و الّذى فى الكتابه. فالكتابة دالّة على اللّفظ لأنّا لو احتجنا بأن نضع بازاء كلّ حقيقة متصوّرة [٢] نقشا مخصوصا لكثرت النقوش، و تجاوزت عن الحدّ الّذى يتمكّن [٣] الانسان من ضبطها. بل جعلت [٤] بازاء الأصوات البسيطة الّتى هى موادّ الكلم نقوش [٥] بسيطة، و جعلوا تركيب تلك النّقوش محاذيا [٦] لتركيب تلك الأصوات ليكون المؤنة أخفّ. و أمّا اللّفظ فإنّه غير دالّ على الخارج بدليل أنّك إذا رأيت إنسانا من بعيد، و ظننت [٧] أنّه صخرة، سميّته بذلك. ثمّ إذا دنوت منه و عرفت حيوانيّته، لكنّك ظننته طيرا، سمّيته بالطّير. ثمّ إذا ازداد [٨] القرب و عرفت انسانيّته، سمّيته بالانسان. فاختلاف التّسميات عند اختلاف الخيالات [٩] يدلّ على أنّ الأسامى دالّة على الصّور الذهنيّة لا على الأمور الخارجيّة، و من عادة القوم أن يسمّوا الصّور الذهنيّة معانى. فظهر بهذا [١٠] صحّة قوله: «أنّ بين اللّفظ و المعنى علاقة مّا [١١]»؛ أى اللّفظ ليس له دلالة بالّذات و [١٢] بالقصد [١٣] الأوّل [١٤] إلّا على المعانى الذّهنيّة.
قال: «و ربّما أثّرت أحوال في اللّفظ في أحوال في المعنى»
؛ قلت [١٥]: إنّ [١٦] ذلك مثل ما تصدق الألفاظ فرادى و لا تصدق على الجمع، و قد يكون بالعكس، و غير ذلك من
[١] - أقول: التّفسير م.
[٢] - متصوّرة: مصوّرة م؛ ت.
[٣] - يتمكّن: لا يتمكّن مج.
[٤] - بل جعلت: بأن جعلوا م.
[٥] - نقوش: نقوشا م؛ ت.
[٦] - محاذيا: محاذية م؛ ت.
[٧] - ظننت: ظننته ت.
[٨] - ازداد: زاد ت.
[٩] - الخيالات: الحالات م.
[١٠] - بهذا: لهذا ت.
[١١] - ما:- مج؛ ت.
[١٢] - و: أى م.
[١٣] - بالقصد: القصد م.
[١٤] - بالذات و بالقصد الأوّل:- ت.
[١٥] - قلت: قلنا م.: أقول ت.
[١٦] - إنّ:- ت.