شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٣٥ - الفصل الرّابع فى عكس المطلقات
الموضوع محمولا مع حفظ الكيفيّة و بقاء الصّدق و الكذب بحاله. و قد جرت العادة بأن يبدأ بعكس السّالبة المطلقة الكلّيّة و يبيّن أنّها منعكسة [١] مثل [٢] نفسها. و الحقّ أنّه ليس لها عكس إلّا بشىء من الحيل الّتى قيلت [٣]، فإنّه يمكن أن يسلب الضحّاك سلبا بالفعل عن كلّ واحد من النّاس، و لا يجب أن يسلب الإنسان عن شىء من الضحّاكين، فربّما كان شىء من الأشياء يسلب بالاطلاق عن شىء لا يكون موجودا إلّا فيه، و لا يمكن سلب ذلك الشّىء عنه. و الحجّة الّتى يحتجّون بها لا تلزم إلّا أن تؤخذ المطلقة على أحد الوجهين الآخرين. و أمّا أنّ تلك الحجّة كيف هى؟ فهى أنّا إذا قلنا: ليس و لا شىء من ج ب، فيلزم أن يصدق: ليس و لا شىء من ب ج المطلقة، و إلّا صدق نقيضها و هو: أنّ بعض ب ج المطلقة، فلنفرض ذلك البعض شيئا معيّنا، و ليكن د، فيكون د بعينها ج و ب معا، فيكون شىء ممّا هو ج هو ب، و ذلك الشّىء هو د المفروض، لا أنّ [٤] العكس [٥] الجزئىّ الموجب أوجبه، فإنّا لم نعلم بعد انعكاس الجزئىّ الموجب، و قد كنّا قلنا: لا شىء ممّا هو ج ب، هذا محال.
و أمّا الجواب عنها فهو أنّ هذا ليس بمحال إذا أخذ السّلب [٦] مطلقا لا بحسب عادة العبارة فقط، فقد علمت أنّهما فى المطلقة يصدقان، كما قد يصدق سلب الضحّاك بالفعل السلب المطلق عن كلّ واحد واحد من النّاس، و إيجابه على بعضهم. و أمّا على الوجهين الآخرين من الإطلاق فإنّ السّالبة الكليّة تنعكس على نفسها بهذه الحجّة بعينها. و أمّا الحجّة المحدثة الّتى لهم من طريق المباينة الّتى أحدثت بعد المعلّم الأوّل فلا نحتاج إلى أن نذكرها، فإنّها و إن أعجب بها عالم مزورة [٧]، و قد بيّنّا حالها فى كتاب الشّفاء.
و أمّا الكليّة الموجبة فإنّها لا يجب أن تنعكس كليّة، فربّما كان المحمول أعمّ من الموضوع، و لا يجب أيضا أن تنعكس مطلقة صرفة بلا ضرورة، فإنّه ربّما كان المحمول غير ضرورىّ للموضوع و الموضوع ضرورىّ للمحمول، مثل التنفّس لذى الرّية من الحيوان، فإنّه
[١] - منعكسة: ينعكس م.
[٢] - مثل:+ فعل م.
[٣] - قيلت: قيلت قبل م.
[٤] - لا أنّ: لأنّ م.
[٥] - العكس: عكس م.
[٦] - السلب: السالب م.
[٧] - مزورة: زور م.