جامع المقاصد في شرح القواعد - المحقق الثاني (المحقق الكركي) - الصفحة ٣٥١ - المطلب الثاني في الأحكام
و لو لم يشهد رجع بالأقل من الثاني و الأول و الحق. (١)
و لو ادعى القضاء المأذون له فيه فأنكر المستحق، فإن كان في غيبة الآذن فهو مقصّر بترك الإشهاد، إذ كان من حقه الاحتياط و تمهيد طريق الإثبات، فلا يرجع عليه إن كذّبه، و إن صدّقه احتمل ذلك حيث لم ينتفع به الأصيل، (٢)
قوله: (و لو لم يشهد رجع بالأقل من الثاني و الأول و الحق).
[١] أما إذا كان الأول أقل فلأنه باعتراف الضامن لا يستحق غيره، لأنه بزعمه مظلوم في الأخذ ثانيا، فالأداء الصحيح بزعمه هو الأول فيؤاخذ به.
و أما إذا كان الثاني أقل، فلأن الأداء الأول الذي يدعيه لم يثبت، و الثابت ظاهرا إنما هو الثاني.
و أما إذا كان الحق أقل منهما، فلأنه إنما يرجع بالأقل من المدفوع و الحق.
قوله: (و لو ادعى القضاء المأذون له فيه فأنكر المستحق، فان كان في غيبة الآذن فهو مقصر بترك الإشهاد، إذ كان من حقه الاحتياط أو تمهيد طريق الإثبات، فلا يرجع عليه إن كذبه، و إن صدّقه احتمل ذلك حيث لم ينتفع به الأصيل).
[٢] فاعل (ادعى) هو (المأذون)، و أخره لأجل ضمير القضاء. أي: لو ادعى قضاء الدين الشخص المأذون له فيه فأنكر المستحق، أي: صاحب الدين فلا يخلو:
إما أن يكون القضاء في غيبة الآذن في القضاء، أو في حضوره. فان كان ذلك في غيبته فهو مقصّر بترك الإشهاد، فلم يؤد على الوجه المأذون فيه، فلا يرجع، لأن من حق المأذون- أي: من حق الواجب عليه- الاحتياط للإذن في إسقاط حق الغير عنه ظاهرا و باطنا، و تمهيد طريق الإثبات بالإشهاد، لتنقطع عنه الدعوى. كما يجب على الوكيل الاحتياط، فلا يسلم المبيع حتى يتسلم الثمن و نحو ذلك، فحيث ترك الإشهاد كأنه لم يقض، فلا يستحق رجوعا.
جامع المقاصد في شرح القواعد، ج٥، ص: ٣٥٢
و الرجوع لاعترافه ببراءة ذمته، و فعل ما اذن فيه، فلا يخرج استحقاق المأذون بظلم المستحق. [١]
أو يقال: إن إطلاق الإذن لما حمل على القضاء الذي لا تبقى معه دعوى الدين ثانيا بحسب الإمكان، و ذلك بالإشهاد كان قضاؤه بدونه غير مأذون فيه فلم يستحق رجوعا. و هذا التوجيه لا يفترق الحال فيه، بتصديق الآذن في الدفع و تكذيبه.
فلم يبق لقول المصنف: (إن كذبه) وجه، و لم يحسن قوله (و إن صدّقه.) لأنه مدافع للتعليل المذكور. و كان الأولى في العبارة أن يقول: فأنكر المستحق، فإن كذبه و لا طريق إلى الإثبات لم يرجع قطعا، و إن صدقه، فان كان في غيبة الآذن، ففي الرجوع احتمالان ينشآن: من كونه مقصرا بترك الإشهاد، إذا كان من حقه الاحتياط و تمهيد طريق الإثبات. و لأنه كمن لم يقض إذ لم ينتفع به الأصيل و عدمه، لأن المأذون فيه القضاء و قد حصل. و في الأول قوة ظاهرة، كما بيناه في كتاب الرهن.
و اعلم أن قوله: (ذلك) يشير به الى عدم الرجوع، و أن المراد ب (الأصيل) هنا: المديون و هو الآذن مجازا، إذ ليس هنا ضمان فيكون مضمون عنه.
قوله: (و الرجوع لاعترافه ببراءة ذمته و فعل ما اذن فيه، فلا يخرج استحقاق المأذون بظلم المستحق).
[١] هذا هو الاحتمال الثاني المعادل لقوله: (احتمل ذلك) و وجهه أنه حيث كان مصدقا معترفا ببراءة ذمته من الدين الذي كان، و يفعل المأذون ما اذن له فيه مجهولا و معلوما. فلا يخرج استحقاق المأذون عن الثبوت بظلم المستحق، و طلبه ثانيا. و ضعفه ظاهر، لأن اعترافه إنما هو ببراءة ذمته باطنا فقط، و في كونه فعل ما اذن فيه منع، و قد سبق سنده.