الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٤٢
العذاب على نصارى نجران ـ وإن لم تتحقق بسبب انصرافهم عن المباهلة، إلاّ أنّ ذهاب الرسول إلى المباهلة واستعداده لذلك من جانب، وانسحاب نصارى نجران من خوض معركة التباهل من جانب آخر، يكشفان عن أنّ حلول العذاب ـ بدعاء الرسول ـ كان حتمياً لو تباهلوا، فقد أدركوا الخطر وأحسُّوا بعواقب الموقف، فتنازلوا وتصالحوا.
٤ ـ طلب المعاجز من النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ الواحدة تلو الأُخرى
إنّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ النبي كان كلما أتى قومه بآية، طالبوه بآية أُخرى، وكانوا يصرّون على أن تكون مثل معاجز السابقين، وهذا يدلّ على أنّ الرسول أظهر معاجز غير القرآن حتى جاء الطلب منهم بعد الطلب.
قال سبحانه: (وَ إِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ)[١] وليس المراد من (آية) نفس القرآن، ولا الآية القرآنية، لوجهين:
١ ـ أنّها جاءت بصورة النكرة، وهذا يكشف عن نوع خاص من الآيات.
٢ ـ لو كان المقصود هو القرآن أو الآية القرآنية، كان المناسب إلقاء الكلام بنحو آخر بأن يقول بدل المجيء، «النزول»، فيقول: «إذا نَزَلت عليهم آية». وعلى هذا فلفظ «آية»، فيها، نظيرها في قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَ لَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَة حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ)[٢].
وفي قوله سبحانه حاكياً عن المسيح ـ عليه السَّلام ـ : (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَة مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ...)[٣].
[١] سورة الأنعام: الآية ١٢٤.
[٢] سورة يونس: الآيتان ٩٦ ـ ٩٧.
[٣] سورة آل عمران: الآية ٤٩.