الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ١٥٠
تحليل نظرية الفلاسفة
أُعترض على هذه النظرية باعتراضات عديدة، غير واردة عند من أمعن النظر وتدبّر فيها نذكر بعضاً منها:
الإعتراض الأول: إنّ نتيجة هذه النظرية أنّه لا واقعية للملك ولا للصوت في مرتبة الحسّ، لأنّ القوّة التخيّلية في ذهن النبي هي الّتي توجد الصوت وصورة الملك في تلك المرتبة، ثم ينعكس من الخيال إلى مرتبة الحسّ.
الجواب: إنّ ما ذكر من الإعتراض يَرِد على عقيدة بعض المشائيين في الوحي، كما صرّح به صدر المتألهين نفسه في كلامه المتقدم. وأمّا عند غيرهم، فللوحي درجات واقعية حسب مراتب وجوده. فله وجود عقلي وخيالي وحسّي، وليس أيٌّ منها مصنوعَ ذهن النبي ونفسه، تلك النفس الصافية الصقيلة الّتي ينعكس فيها كل ما في عالم العقل الفعّال. وما ذكرناه من عبارات صدر المتألهين أوضح شاهد على ذلك
الإعتراض الثاني: إنّ هذا التصوير للوحي، مقلوب ما نأنسه من الإدراكات في هذه الحياة، فإنّ الترتيب الطبيعي للإدراك هو الحسّي ثم الخيالي فالعقلي. ولكن على هذه النظرية، ينقلب الأمر ويشرع الإدراك من العقل وينتهي بالحسّ.
الجواب: إنّ ما ذكره المعترض حقّ في الإدراكات المعاديّة، وأمّا الإدراكات المتجاوزة حدّ العادة، فهي على عكس المأنوس. والوحي النازل على الأنبياء إدراك خارق للعادة بدليل عظمة المعارف والقوانين الّتي يأتي بها الوحي إليه.
وغير ذلك من الإعتراضات القابلة للجواب.
والملاحظة الصحيحة على هذه النظرية، هي أنّ ما ذكروه من أنّ حقيقةً واحدةً تتجلى في نفس النبيِّ بصور ثلاث، وإن كان غير ممتنع، إلاّ أنّه لا دليل عل أنّ الوحي هو خصوص ذاك. إذ ربّ وليّ من الأولياء الذين صفت ضمائرهم، وطهرت قلوبهم، نالوا المعارف والحقائق المفاضة من ذاك العالم