الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٤٢
صنعها مجموعة هائلة من الصناعيين وخبراء العلوم الطبيعية من علماء الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات والطب، حتى علماء النفس وغيرهم ممن خدموا هذه السفينة والصواريخ الحاملة لها. فلأجل ذلك كلما ازدادت الصناعة عمقاً وتعقيداً، اتّضح كونها نتيجة حضارة بشرية بحتة، لا صلة لها بأمر سماوي.
ونفس هذه القاعدة تنطبق على معجزة النبي الأكرم بوضوح، فإنّه تحدّى بشيء مؤلف من مواد يعرفها كل الناس وفي متناولهم، حيث إنّه لا يتجاوز عن كونه حروفاً وألفاظاً تشكل لغة العرب ومفردات كلامهم وجملهم. فلو كان هذا القرآن مصنوعَ نفسِ مَنْ جاء به، فهو وسائر الناس في هذه الحلبة سواء، لأنّ موادّه في متناول الناس واختيارهم، فليقم خُبَراُؤهم وعلماؤهم وبُلَغاؤهم وفصحاؤهم بصنع كتاب، أو عشر سُوَر، أو سورة واحدة مثله..
ومع أنّ كل المعاجز تشترك في هذا المضمار، غير أنّ القرآن يمتاز عنها بمزية ثالثة وهي أنّ الإذعان بكون ما جاء به الكليم والمسيح من المعاجز، يحتاج إلى معلومات خاصة حتى يتميز في ظلّها السّحر والطب من الإعجاز ، ولكن الإذعان بكون القرآن معجزة إلهية لا يحتاج إلى شرائط في السامع أزيد من كونه عربياً صميماً عارفاً بأساليب الكلام، فإنّ ذلك كاف في تمييز ما هو داخل في حدود الطاقة البشرية عمّا هو خارج عنها، ولأجل ذلك كان النبي يتحدّى بالقرآن ويدعو كلَّ الناس إلى المقابلة والمنازلة، وقلّما يّتفق أن يسمع إنسان كلامه ولا يتأثر منه، وإن كان أغلبهم يعارض ما يجده حقّاً في فطرته وعمق ضميره، بأساليب شيطانية، كما سيوافيك في قصة الوليد بن المُغيرة، وعتبة بن ربيعة ومجمل سيرة رؤساء قريش.
هذه المزايا الثلاث تختص بمعجزته الخالدة. ولها مزايا أخرى سنقف عليها خلال المباحث الآتية.
***