الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٧٥
البرهنة، فقد اعتمد في الوجه الأول، على تصريح القرآن بعموم رسالته; وفي الوجه الثاني، على نداءاته العامة; وفي الوجه الثالث، على أنّ الموضوع لأحكامه وتشريعاته، أمر عام، وفي الوجه الرابع، على أنّ القرآن يعرّف هدايته وإنذاره، أمراً عاماً للناس كلّهم.
وهناك وجه خامس يتصل إتّصالاً وثيقاً بطبيعة الإسلام وقوانينه وتشريعاته، وهو أنّ القرآن في تشريعاته لا يعتمد إلاّ على مقتضى الفطرة الّتي فطر عليها بنو البشر كلُّهم، فإذا كان الحكم موضوعاً على طِبْق الفطرة الإنسانية، الموجودة في جميع الأفراد، فلا وجه لاختصاصه بإقليم دون إقليم، أو شعب دون شعب.
هذا هو الإسلام، وتعالميه القيمة ومعارفه وسننه، فهل تجد فيها ما يشير إلى كونه ديناً إقليمياً، أو شريعة لفئة محدودة؟ فإنّ للدين الإقليمي علائم وأمارات، أهمها أنّه يعتمد في معارفه وتشريعاته على ظروف بيئته وخصوصيات منطقته، بحيث لو فرض فقدانها، لأصبحت السنن والطقوس الّتي يعتمد عليها الدين، سراباً يحسبه الظمآن ماءً.
ونحن في غنى عن سرد آيات الذكر الحكيم الّتي تتبنى معارف وتشريعات تقتضي بطبيعتها كونها دواءً للمجتمع الإنساني في جميع الأقطار والأزمان، فقوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإِحْسَانِ)الآية[١]; وقوله (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَ إِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)[٢]، وقوله: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الأَنْصَابُ وَ الأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[٣]، وغير ذلك من تشريعاته في حقول الاقتصاد والاجتماع والسياسة والأخلاق، ممّا تقتضي بطبيعتها، العمومية لجميع البشر والمجتمعات.
[١] سورة النحل: الآية ٩٠.
[٢] سورة النساء: الآية ٥٨.
[٣] سورة المائدة: الآية ٩٠.