الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٢٨١
خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيًما فَآوَى * وَ وَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَ وَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ * وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ * وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)[١].
إنّ في هذه السورة من أنواع البلاغة ما يَبْهَرُ العقول، وفي الدراسة التالية نشير إلى بعض منها.
(وَ الضُّحَى * وَ اللَّيْلِ إِذَا سَجَى).
الواو في الموضعين للقسم. والضحى، والليل حال السجي، هو المقسم به. وقوله سبحانه فيما يأتي: (مَا وَدَّعَكَ) هو المقسم له، بمعنى جواب القسم.
وقد ورد في القرآن الكريم، ثمان وثلاثون قَسَماً، أفردها إبن القيم بالتصنيف في كتاب أسماه «التبيان في أسماء القرآن». وقد وقع القَسَم فيها على أشياء مختلفة كالملائكة والنبي الأكرم والقرآن والقيامة، والنفس الإنسانية، والقلم، والكتاب والشمس، وضوئها، والليل وغير ذلك. واهتمّ المفسرّون ببيان سرّ القسم بهذه الأُمور، ولكنهم غفلوا عن مهمة أُخرى في هذه الأقسام، وهي المناسبة بين المقسم به والمُقْسَم له، أي بيان الصلة بين الشيء الّذي وقع الحلف عليه، كالنَّهار والليل، وما رتب عليه من الجواب. وهذا من الأُمور المهمة الّتي إذا كشفها المُفَسر، لأدرك أنّ تخصيص شيء معين بالقَسَم في هذا المجال دون غيره، ليس إلاّ لرابطة بينه وبين جوابه، وليس هو أمراً إعتباطياً فاقداً للمناسبة. وإليك البيان في المقام.
إنّ المُقْسَم به في آيتي «والضحى»، صورة مادية، وواقع حسيّ يشهد به الناس تألّق الضوء في صحوة النهار، ثم يشهدون من بعده فتور الليل إذا سجى وَسَكَن، يشهدون الحالين معاً في اليوم الواحد دون أن يختل نظام الكون أو يكون في توارد الحالين عليه ما يبعث على إنكار. بل دون أن يخطر على بال أحد، أنّ
[١] سورة «والضحى»، وآياتها ١١.