الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٤٠٤
وبملاحظة هذين الجانبين، يتّضح أنّ أيَّ تقنين لن تكتب له الحياة، ولن يكتسي ثوب البقاء إِلاَّ إذا كان متكئاً ومعتمداً في تقنينه على مبدأ ومرْتكَز ثابت لا يتبدل ولا يتغير، وليس هو إلاّ الفطرة الإنسانية الّتي لا تتبدل مع الأجيال، وعبر القرون، وفي خضم التحوّلات الطارئة على الحضارات الإنسانية.
وقد تنبّه التقنين القرآني إلى هذا الأساس فبنى مُثُلَه العليا وتشريعاته، على وفق ما تقتضيه الفطرة الإنسانية ويتماشى معها.
يقول سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)[١].
فجعل الملاك في ثبات تشريعه وبقائه، خلقة الإنسان وطبعه، الثابتين في جميع ألوان الحياة ومتغيراتها، فعلى الرغم من أنّ الحضارة الصناعية غيّرت لون الحياة، ورفعت الحواجز بين الإنسان وأمانيه، وقدّمت إليه حياة ناعمة كانت ممتنعة في عصر الحجر والسيف والسهم والحضارات البدائية ـ فمع ذلك كلّه ـ لم تصل يد التغيّر إلى طبع الإنسان وفطرته، بل هي ثابتة كما كانت مُذْ داس الإنسان هذه الكرة، ولأجل ذلك ترى أُموراً مشتركة بين الإنسان الّذي عاش في الحضارات البدائية، والّذي يعاصر الحضارات الصناعية، وهكذا بين الإنسان القطبي والاستوائي. وفي ضوء ذلك جاء القرآن بقوانين ثابتة في عالم، التحوّلُ والتبدّلُ حليفه وأليفه. وإليك نماذج من هذه القوانين:
١ ـ إنّ التفاوت بين الرجل والمرأة أمر طبيعي محسوس. فهما موجودان مختلفان اختلافاً عضوياً وروحياً، على رغم كل الدعايات السخيفة الكاذبة الّتي تريد إزالة كل تفاوت بينهما. ولأجل ذلك اختلفت أحكام كلٍّ منهما في التشريع الإسلامي اختلافاً يقتضيه طبعُ كلٍّ منهما. فإذا كان التشريع مطابقاً لفطرتهما، ومسايراً لطبعهما، ظلّ ثابتاً لا يتغير بمرور الزمان، لثبات الموضوع، المُقْتضي لثبات محموله.
[١] سورة الروم: الآية ٣٠.