الإلهيات على هدى الكتاب والسُّنة والعقل - مكي العاملي، محمد - الصفحة ٣٤٦
تعجّب القوم من وضع الرمانة في كفه، بل كان من اجل تعذّره عليهم، مع أنّه كان مألوفاً لهم، ومقدوراً عليه من جهتهم. فلو كان كما زعمه أهل الصرفة، لم يكن للتعجّب من فصاحته وجه. فلمّا علمنا بالضرورة إعجابهم بالبلاغة، دلّ على فساد هذه المقالة»[١].
وما أجاب به الشيخ الطوسي عن هذا الدليل بأنّ من قال بالصرفة لا ينكر مزية القرآن على غيره بالفصاحة والبلاغة، وإنّما يقول هذه المزية ليست ممّا تخرق العادة ويبلغ حدّ الإعجاز، فليس في طرب الفصحاء وشهادتهم بفصاحة القرآن وفرط براعته ما يوجب بطلان القول بالصرفة[٢]، غير تام، إذ لو كان مثل القرآن متوفراً في الأوساط الأدبية قبل البعثة، لما كان لهذا الطرب والإهتزاز والإنبهار والتضعضع، وجه وجيه، لأنّ المفروض أنّ القرائح العربية لم تكن قاصرة قبل البعثة عن إبداع أمثاله، وسمعت آذانهم كثيراً من هذا النمط من الكلام وإن قصرت من بعد. ولو كانت قرائحهم قادرة قبل البعثة على إنشاء كلام مثل القرآن، فلماذا جمع الوليد صناديد قريش وقال لهم: «إنّ العرب يأتونكم فينطلقون من عندكم على أمر مختلف، فأجمعوا أمركم على شيء واحد، ما تقولون في هذا الرجل؟ الخ[٣]». فلو كانت قرائحهم كافية قبل صرف هَمِمِهم، أو سلب علومهم، أو الجائهم على الإنقباض في مقام معارضته ـ لكان الجواب عن قرآن الرجل واضحاً، وهو أنّه كلام عادي ما أكثره بيننا، وأكثر مثله في كلام خطباء العرب وشعرائهم.
ورابعاً: فإنّ القول بالصرفة نجم من الإغترار بما روي من رشيق الكلمات، وبليغ العبارات، عن العرب، فزعم هؤلاء أن كل من قدر على تلك الأساليب البلاغية، يقدر على المعارضة، إلاّ أنّه سبحانه عرقلهم عنها وثبّطهم فيها.
ولكن أين الثرى من الثريا، وأين المدر من الدُرَر، وليس إعجاز القرآن
[١] الطراز، ص ٣٩٣ ـ ٣٩٤.
[٢] تمهيد الأُصول، ص ٣٣٨.
[٣] مجمع البيان، ج ٥، ص ٣٨٦ .